ما الذي تكشفه كرة القدم عن الإنسان؟

في أغلب الرياضات العنيفة (الملاكمة أو المصارعة أو فنون القتال)، العنف مقنن ومحصور داخل إطار واضح مفاده أن الضرب مسموح لكن وفق قواعد صارمة، والحَكم يوقفه فور تجاوزه الحد. أما في كرة القدم، وهي رياضة غير قتالية أصلاً، فإن العنف لا يتم داخل اللعب فقط، بل ينفلت خارجه أيضاً، وذلك في المدرجات والشوارع وعلى وسائل التواصل وحتى بعد انتهاء المباراة بأيام. وهنا تحديداً تكمن المفارقة.
وهنا يبرز السؤال التالي: ولكن لماذا كرة القدم تحديداً؟
لو كان العنف مجرد تفريغ للطاقة الحيوية، لكانت الرياضات القتالية أكثر إثارة للشغب.
لكن العكس هو الصحيح، وذلك لأن أعنف الجماهير عادة هي جماهير لعبة لا تسمح أصلاً بالعنف. وهذا يدل على أن ما يحدث هو ليس شأناً بايولوجياً خالصاً، إذ أنه رمزيٌ أيضاً. فالإنسان لا يقاتل في كرة القدم لأنه يريد إيذاء جسم خصمه، بل لأنه يشعر أن الفريق يمثل الهوية، والهزيمة تعني مساس بالذات. أي أننا أمام انتقال من الصراع “المادي” إلى “الصراع الرمزي”.
وعندما قال جورج أورويل إن الرياضة “حرب بلا بنادق”، فإنه كان يصف آلية نفسية عميقة مفادها أن الحرب الحقيقية تخدم غرضاً بقاءياً مفرداته هي الأرض والموارد والأمان. أما الحرب الرياضية فهي بلا منفعة بايولوجية، ومع ذلك فإنها تستدعي نفس الانفعالات التي تتمثل في اصطفاف قبلي وتجريم الآخر وتبرير العدوان والتضحية العقلانية. أي أن العقل يتصرف كما لو أن الخطر حقيقي، رغم علمه بأنه غير حقيقي. وهذا ما لا يحدث على الإطلاق في عالم الحيوان. فالحيوان لا يدخل قتالاً لا منفعة فيه، ولا يهاجم فرداً من نوعه بسبب رمز أو شعار أو لون أو اسم مدينة!
ولكن، ما الذي تكشفه كرة القدم عن الإنسان؟
كرة القدم ترينا شيئاً بالغ الأهمية فحواه أن الإنسان لا يحتاج إلى خطر كي يصبح عدوانياً. فالعنف هنا لا ينتج عن الجوع أو التنافس على التزاوج أو الدفاع عن المجال الحيوي، بل عن فكرة مجردة. وهنا يظهر الفرق الجذري بين الإنسان والحيوان، والذي يتمثل في أن الحيوان يقاتل من أجل “الحياة” أما الإنسان فإنه يقاتل من أجل “المعنى”.
وفقأً للمقاربة الميتابايولوجية، فإنه يمكن قراءة الملعب كأحد أنقى الشواهد على صواب هذه المقاربة. فبعد “التحول الإدراكي”، لم يعد السلوك موجهاً بواسطة المنفعة الحيوية فحسب، بل بالتمثل. أي أن آلية التنظيم لم تعد بقاء ثم سلوك، بل أصبحت تمثل ثم انفعال ثم سلوك (حتى ضد البقاء). ولهذا نجد مشجع يحطم ممتلكاته وآخر يُسجن وثالث يُقتل. وكل ذلك دفاعاً عن نتيجة مباراة. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ “العدوان غير الوظيفي”؛ عدوان لا يخدم الفرد ولا النوع، لكنه يخدم الهوية المتخيلة.
ولكن، لماذا تخرج كرة القدم أسوأ ما في الإنسان تحديداً؟ لأنها تجمع ثلاث خصائص لا تجتمع في غيرها:
1. الانتماء الى قبيلة دون شعور بالمسؤولية يتجلى في كون هذا الانتماء قوياً ولكن دون روابط حقيقية أو تبعات مباشرة
2. حرب بلا خطر حقيقي؛ فالجهاز العصبي يعمل بكامل طاقته دون كلفة بايولوجية
3. هوية بلا حدود. حيث يمكن لأي فرد أن يصبح “نحن” فوراً.
هذه التركيبة تجعل الملعب أقرب شيء إلى محاكاة اجتماعية للحرب داخل بيئة آمنة. ولكن العقل لا يفرّق تماماً بين المحاكاة والواقع، فيتعامل معها كحرب حقيقية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ما نراه في كرة القدم لا يثبت أن الإنسان ما زال حيواناً، بل على العكس تماماً. فالإنسان، بسلوكياته العدوانية هذه، يثبت أنه كائن خرج من الاقتصاد الحيوي إلى الاقتصاد الرمزي. فالحيوان يعجز عن أن يقتل من أجل فكرة، أما الإنسان فيعجز عن ألا يفعل ذلك. ولهذا تصبح المدرجات أحياناً مرآة مكبرة لحقيقة مفادها أن أخطر ما في الإنسان ليس عدوانه، بل قدرته على اختراع سبب للعدوان.

أضف تعليق