متى يصبح كشف الفضائح علامة على القوة… ومتى يتحول إلى علامة على الإنهاك؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن إلقاء القبض على شخصية رفيعة المقام، كالأمير أندرو، دليلٌ إضافي على أن المنظومة القانونية في الغرب ما تزال قادرة على محاسبة الجميع بلا استثناء. فالديمقراطيات الحديثة لطالما قدمت قدرتها على فضح أخطاء النخبة بوصفها برهاناً على سلامتها الأخلاقية لا على اختلالها. غير أن هذه القراءة، على وجاهتها الظاهرية، تغفل سؤالاً أعمق: هل تكشف كثرة الفضائح عن يقظة الضمير، أم عن تآكل المعايير؟ فالفرق كبير بين مجتمعٍ تظهر فيه الانحرافات نادراً فيُصدم بها، ومجتمعٍ تتوالى فيه الصدمات حتى تتحول إلى خبرٍ اعتيادي. هنا لا يعود الحدث الاستثنائي دليلاً على العافية، بل قد يصبح مؤشراً على تحوّل الخلل إلى حالة بنيوية وليس حالة طارئة.
إن قضية أندرو لم تفاجئ المتابعين بقدر ما فاجأهم تأخرها. فالمشكلة لم تكن في انكشاف الواقعة، بل في طول الزمن الذي استطاعت خلاله أن تبقى خارج دائرة المساءلة. وهذا يطرح احتمالاً مقلقاً مفاده ربما لم تعد المحاسبة تعبيراً عن صحوة أخلاقية، بل إجراءً اضطرارياً حين يصبح الإخفاء أكثر كلفة من الاعتراف.
التاريخ يبين أن الحضارات لا تنهار لحظة ظهور الفساد فيها، بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين الفضيحة والاعتياد، بين الانحراف والمبدأ. عندها يتحول القانون من معيار سابق للفعل إلى رد فعل متأخر عليه. وعند هذه النقطة تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي: هل ما نشهده هو قوة نظامٍ يكشف أخطاءه، أم إرهاق نظامٍ لم يعد قادراً على منعها إلا بعد وقوعها بزمن طويل؟
فالحضارات لا تسقط لأنها تخطئ، بل لأنها تعتاد الخطأ.

أضف تعليق