
لا تكمن خطورة الإنسان في شدّة عدوانيته، فمعظم الكائنات الحية قادرة على الإيذاء حين يُهدَّد بقاؤها أو يُمسّ مجالها الحيوي. فالحيوان يهاجم دفاعاً أو جوعاً أو تنافساً؛ أي إن عدوانه مرتبط دائماً بضرورة بايولوجية يمكن تحديدها. أمّا الإنسان فمشكلته ليست في الفعل، بل في ما يسبق الفعل؛ والتي تتمثل في قدرته على اختراع مبررٍ له. فهو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يصوغ قصةً تسبق الضربة، وأن يؤسس سردية قبل أن يؤسس الجرح. فهو لا يحتاج إلى خطرٍ حقيقي كي يقاتل، بل يكفيه أن يفسّر العالم بطريقة تجعله يبدو مهدَّداً. وهنا يتحول العدوان من استجابةٍ إلى تأويل، ومن ردّ فعلٍ إلى موقفٍ فكري. ولهذا لا تنتهي حروب الإنسان بانتهاء أسبابها الواقعية، لأن أسبابها الواقعية ليست أصلها. فالإنسان لا يقاتل فقط بسبب الأرض أو الغذاء أو الأمان، بل بسبب المعنى، والهوية، والتاريخ، والعقيدة، بل وأحياناً بسبب فكرةٍ عن فكرة. إنه الكائن الوحيد القادر على تحويل الاختلاف إلى تهديد، والرمز إلى خطر، والتأويل إلى ساحة قتال.
إن الحيوان يحتاج عدواً كي يهاجم. أما الإنسان فيستطيع أن يخلق عدواً كي يهاجم.
ومن هنا تنبع خطورته الحقيقية؛ وذلك ليس في امتلاكه العنف، بل في امتلاكه العقل القادر على شرعنته. فـ “العنف الطبيعي” محدود بحدود الحاجة، أما العنف “المؤوَّل” فلا حدّ له، لأنه لا يعتمد على الواقع بل على تفسير الواقع. ولهذا فإن فهم العدوان الإنساني لا يبدأ من دراسة الغريزة، بل من دراسة المعنى.
