العدوان البشري ظاهرة خارقة!

من الشائع تفسير عدوانية الإنسان بوصفها أثراً باقياً من ماضيه الحيواني؛ فحين يقتل أو يدمّر أو يؤذي يُقال إن الحيوان الكامن فيه قد ظهر. غير أن هذه القراءة، على شيوعها، تفترض مسبقاً أن ما يصدر عن الإنسان يمكن فهمه داخل الإطار نفسه الذي تُفهم فيه سلوكيات الكائنات الأخرى. لكن مجرد التأمل المقارن يكشف مفارقة أساسية: الحيوان يعتدي بقدر ما يقتضيه بقاؤه، أما الإنسان فيستطيع أن يعتدي في غياب أي ضرورة بقاء، بل أحياناً على حساب بقائه نفسه.
فالافتراس في الطبيعة وظيفة محددة؛ يبدأ بسبب وينتهي بزواله. لا يقتل الذئب فريسته بعد شبع، ولا يخوض قتالاً يهدد حياته من أجل فكرة أو رمز أو سمعة. أما الإنسان فيفعل ذلك كله: يحارب من أجل معنى، وينتقم من أجل تأويل، ويخاطر بمصلحته الحيوية دفاعاً عن اعتقاد أو انتماء أو صورة ذهنية. هنا يفقد العدوان طابعه الحيوي ويكتسب طابعاً آخر لا تفسره آليات البقاء.
وعند هذه النقطة يتغير السؤال جذرياً. فالمشكلة لم تعد: لماذا بقي في الإنسان شيء من الحيوان؟ بل: ما الذي جعل الإنسان قادراً على اتخاذ سلوك لا يمكن للحيوان أن يقوم به أصلاً؟ إن العدوان الإنساني، حين يتجاوز المنفعة الحيوية، فإنه لا يشهد على بقاء الإنسان داخل الطبيعة، بل على خروجه عليها. فهو لا يكشف عن استمرارية بايولوجية، بل عن قطيعة في نمط الفعل ذاته؛ قطيعة يصبح فيها الكائن مستعداً للتضحية بما يحفظ وجوده من أجل ما يتصوره معنى لوجوده.
ومن هنا يمكن النظر إلى العدوان المفرط لا كخلل عارض في سلوك الإنسان، بل كدليل بنيوي على تحوّلٍ أعمق يتمثل في انتقال الفعل من منطق البقاء إلى منطق التمثّل. وحين يدخل الفعل هذا المجال، لا يعود محكوماً بحسابات الطبيعة، بل بما يصنعه العقل من صور وتأويلات؛ أي بما يجعل الإنسان إنساناً على وجه الدقة.

أضف تعليق