
يقدِّمُ تاريخُ العِلم لنا كلَّ ما نحتاجُه لنتبيَّن بطلانَ مزاعمِ العِلم بأنه كيانٌ معرفي قائمٌ على أساسٍ من الملاحظةِ الموضوعية والتجربةِ المتعاليةِ على الأحكامِ المسبقة. وإذا كان فيما يقولُه العِلم مصداقيةٌ لا يمكنُ التشكيكُ فيها في أحيانٍ كثيرة، فإنَّ هنالك أمثلةً من اليسيرِ إيرادُها للبرهنةِ على أنَّ العِلمَ قد جنحَ في أحايينَ كثيرة بعيداً عما يقتضيه منهجُ البحثِ الرصين، فحكمَ باستحالةِ حدوثِ ظاهرة، وجوَّز لحدوثِ أخرى، لا لشيءٍ إلا لأنَّ بعض القائمين عليه لم يتمكنوا من التحرُّر من تلك العلائقِ الميتافيزيقية التي تعوقُ انعتاقَهم من كلِّ ما يحولُ دون أن يجيءَ حكمُهم على الظاهرةِ قيدَ البحث مبرَّأً من كلِّ ما يجعلُه تجلياً معاصراً من تجلياتِ ميتافيزيقا القرون الوسطى. فمن عظيمِ الوهم أن نفترضَ أنَّ القرونَ الوسطى قد انقضت بانقضاءِ حقبتِها، وأنَّ ما من شيءٍ بوسعِه أن يجعلَ العِلمَ المعاصر يعود القهقرى فيتعامل مع ظاهرةٍ ما كما لو أنَّ الزمانَ قد عادَ سيرتَه الأولى إلى تلك القرون الخالية.
ولكن واقعَ الحالِ يُخبِرنا بشيءٍ آخر، وذلك كما يتبيَّن من تعاملِ العِلم المعاصر مع بعض الظواهر التي يجزمُ بانتفاءِ كونِها تحدثُ حقاً لا لشيءٍ إلا لأن الإقرارَ بحدوثِها يتعارض مع إيديولوجيا العِلم المعاصر التي تفترضُ استحالةَ أن يحدثَ في الوجود ما لا قدرةَ لقوانينِ هذا العِلم على تفسيرِه وفقاً لما تقضي به هذه القوانين. ومن ذلك طائفةٌ من الظواهرِ التي يُشارُ إليها عادةً بأنها “باراسايكولوجية الطابع”، وهي ظواهر شاء قدَرُها أن تذكِّرَ بمعجزاتِ الأنبياء، وكراماتِ الأولياء، وخوارقِ العادات، وذلك لفرطِ ما هي عليه من قدرةٍ على تحدِّي معارفِنا والقوانينِ التي استندنا إليها في صياغةِ وتشكيلِ عالَمِنا. وخيرُ مثالٍ على ذلك تجربةُ كليفلاند The Cleveland Experiment التي انبرى كثيرٌ من العلماء للتشكيكِ فيما تضطرُّنا إليه من ضرورةِ مراجعةِ قناعاتِنا البايولوجية والفسيولوجية التي تتحداها والتي خلُصت إليها.
إنَّ القولَ بأن “عقليةَ القرون الوسطى” قد ولَّت وانقضت، ولم يعد لها من وجودٍ في عالَمِ اليوم، لَيتعارضُ مع ما لا ينبغي لنا أن ننساه بشأنِ العقلِ البشري الذي ليس من اليسيرِ عليه أن يعتمدَ الحجةَ والدليلَ والبرهان أساساً يستندُ إليه في تبيُّنِ الحقِّ من الباطل. فلو أنَّ العقلَ هو حقاً ما يميزُ الإنسان، بسببٍ من كونِ أصلِه التطوري هو الإنسان العاقل Homo Sapiens، لَما كان تاريخُه على هذه الأرض سلسلةً متلاحقةَ الحلقات من الخصوماتِ والمجادلات التي يتحكَّم فيها شيءٌ آخر لا علاقةَ له بالعقل وقوانينِه وبالمنطقِ وضوابطِه وأحكامِه. وهذا الشيءُ الآخر هو النفسُ البشرية التي بمقدورِها وحدها أن تفسِّرَ لنا ظواهرَ من مثل غيرةِ توماس أديسون من نيكولا تسلا، وتبيِّن لنا السببَ من وراءِ إصرارِ الفيزيائيين الناطقين باللغةِ الانكليزية على الإشارةِ إلى أشعة روتنغن بـ “أشعة X”!
