
ليس أخطر ما يواجه المقاربة التفسيرية المعاصرة للقرآن العظيم هو أن تخطئ، بل أن تتوقف عن التفكير. فحين تتحول المقاربات التفسيرية إلى قوالب مكتملة مغلقة، يصبح النص تابعاً للنسق، وليس النسق تابعاً للنص. وهنا تبدأ “الخسارة المعرفية”.
لقد سادت في أوساط كثير من دارسي القرآن مقاربة تفسيرية تتعامل مع الموروث بوصفه حدّاً نهائياً للفهم، لا بوصفه مرحلة من مراحل النظر. هذه المقاربة لا ترفض الاجتهاد صراحة، لكنها تحاصره عملياً؛ إذ تجعل التفكير خارج الإطار المتوارث نوعاً من المغامرة غير المحمودة. والنتيجة أن إمكانات النص تظل كامنة، بينما يُعاد إنتاج الفهم نفسه جيلاً بعد جيل.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك التفسير الشائع لقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} (البقرة: 36). فالتفسير السائد يجزم بأن العداوة المقصودة في قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} هي العداوة بين الإنسان والشيطان. غير أن هذا الفهم، حين يُعرض على مجموع السياق القرآني، فإنه يثير إشكالاً منهجياً. إذ أن القرآن في مواضع عديدة يؤكد أن الشيطان عدو للإنسان بصيغة واضحة ومباشرة، كقوله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً} أما في الآية 36 من سورة البقرة، فالصيغة مختلفة: { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } وهي صيغة تقتضي تبادلاً في العداوة بين أطراف من الجنس نفسه.
فالشيطان، بحسب البناء القرآني، ليس طرفاً متماثلاً مع الإنسان في البنية الوجودية أو في نظام التكليف الأرضي. أما صيغة “بعضكم لبعض” فتشير إلى أطراف متقابلة من النوع ذاته، أي إلى علاقة أفقية لا عمودية. وهنا يبرز احتمال تأويلي مهمل، وهو أن العداوة المقصودة هي العداوة بين البشر أنفسهم.
إن هذا الفهم لا يتعارض مع القرآن، بل يتناغم مع بنيته الكلية. فالقرآن يشير وفي مواطن منه عدة إلى الصراعات البينية التي تنشب بين البشر؛ من مثل قتل الأخ لأخيه وظلم الإنسان للإنسان والعدوان والبغي والتكاثر والتنافس والطغيان. وكأن الهبوط إلى الأرض لم يكن مجرد انتقال مكاني، بل انتقال إلى طور جديد من الوجود الإنساني: طور الاحتكاك والصراع والتدافع.
إن القراءة التي تحصر العداوة في بعدها الميتافيزيقي (إنسان/شيطان) تزيح مركز المشكلة بعيداً عن الإنسان نفسه. أما القراءة التي ترى أن العداوة بين البشر هي المعنى المقصود، فإنها تعيد توجيه البوصلة، وبالكيفية التي تذكرنا على الدوام بأن الإنسان هو محل الاختبار، وهو مصدر الخطر، وهو في الوقت نفسه موضوع التكليف.
وهنا تكمن الخسارة الكبرى التي تسببت بها المقاربة التفسيرية السائدة. فحين يُفهم النص على نحوٍ يُخفّف من مسؤولية الإنسان عن عدوانه، نخسر فرصة فهم حقيقة بشرية عميقة مفادها أن الإنسان كائن قابل للانفلات، وأن عدوانه ليس طارئاً، بل جزء من بنيته الوجودية بعد الهبوط من الجنة الى الأرض.
والتاريخ يشهد بذلك، وذلك كما ترينا الحروب والإبادات والاستعباد والنزاعات وصراعات الهوية والعنف الرمزي والمادي. لم يكن الشيطان هو من خاض هذه الحروب بنفسه، بل الإنسان. إن تحميل الشيطان مركزية العداوة يريح الوعي الأخلاقي، لكنه يضعف الإدراك الواقعي.
إن القراءة البديلة لا تنفي وجود عداوة من قِبل الشيطان للإنسان، لكنها تميّز بين مستويين:
• عداوة إغواء وتحريض (الشيطان)،
• وعداوة ممارسة وتحقق في الواقع (الإنسان تجاه الإنسان).
واللافت أن القرآن، حين يتحدث عن سنن الاجتماع البشري، يؤكد مبدأ التدافع: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} فالصراع بين البشر حقيقة قائمة، لا استثناء عارض.
إن التحرر من القوالب الجاهزة لا يعني هدم الموروث، بل إعادة تفعيله. فالنص القرآني أوسع من أن يُختزل في تفسير واحد، وأغنى من أن يُغلق عليه باب النظر. فالمقاربة التفسيرية الحيّة هي التي تنطلق من النص وتعود إليه، لا التي تبدأ بالنسق وتنتهي عنده.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا ليس: هل يجوز لنا أن نفكر خارج الإطار؟
بل: هل يجوز لنا ألا نفكر؟
إن إعادة قراءة مفهوم العداوة في هذه الآية ليست مسألة لغوية فحسب، بل مدخل إلى إعادة النظر في فهمنا للإنسان ذاته: كائن يحمل في داخله إمكانية الخير والعدوان معاً، وقد أُهبط إلى الأرض لا ليصارع الشيطان فحسب، بل ليصارع نفسه، ويصارع أخاه الإنسان. وهنا يصبح النص أكثر التصاقاً بواقعنا، وأكثر كشفاً لحقيقتنا، الأمر الذي يتفق تمام الاتفاق مع شهادة التاريخ بحقنا وما يقدمه واقعنا المُعاش من قرائن واثباتات وما جاءنا به العلم المعاصر من إضاءات بشأن تمايزنا عن ماضينا الحيواني الذي تبرهن عداوتنا المفرطة على استحالة أن يكون كما تخيلته البايولوجيا التطورية بصيغتها الداروينية البحتة.
