
ليست قصة الإنسان قصة وقوفٍ على قدمين أو قصة تضخم دماغ ولا حتى قصة أدوات. إنها قصة انتقال من نمط وجودي إلى نمط وجودي آخر. ففي لحظة بعيدة من التاريخ، لم ينزل الإنسان من الشجرة فقط، بل خرج من الرد الفعل التلقائي “الطبيعي”. ومنذ تلك اللحظة أصبح كائناً يعيش على الحافة، ثم أصبح لاحقاً كائناً يعيش في التمثل، وها هو اليوم يقف على أعتاب انعطافة تطورية ثانية.
فنموذج “الرجل المتسلّق” يفترض أن أسلاف الإنسان عاشوا زمناً طويلاً في بيئة مختلطة تشمل الأرض والأشجار والمرتفعات والمنحدرات؛ فهم لم يكونوا “شجريين” ولا “أرضيين”، بالتمام والكلية، إذ كانوا كائنات تتشارك “الشجرية” و”الأرضية” على حد سواء. فالحياة على الأشجار، هي حياة على الحد “الحافة”، وهي ليست كالحياة على الأرض التي ينعم فيها الكائن بالاستقرار. ففي الأرض المستوية يمكن للكائن أن يخطئ ويتدارك. أما على الحافة فخطأ واحد يساوي سقوطاً لا يُصحّح. ومن هنا نشأ مطلب إدراكي جديد هو “التوقّع قبل الفعل”. فالحيوان يتحرك ثم يرى النتيجة. أما الكائن الحدّي فيجب أن يرى النتيجة قبل أن يتحرك. وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
فحين اضطُر العقل إلى محاكاة الوقائع قبل حدوثها، نشأ لأول مرة فرق بين العالم وصورته. فلم يعد الإدراك مجرد استجابة، بل أصبح بناء نموذج داخلي لما قد يحدث.
ومن هنا نشأ التمثل. وهذا التحول لم يكن زيادة كمية في الذكاء، بل تغيراً نوعياً في طريقة الوجود. فالحيوان يعيش في الواقع. أما الإنسان يعيش في نموذج عن الواقع. ومنذ تلك اللحظة لم يعد بوسعه أن يرى شيئاً دون أن يرى معه معناه. وهذا هو السقوط الحقيقي الذي ألمح إليه بعض المفكرين، ومنهم على سبيل المثال إيفان ديتريش في كتابه “القرد الساقط” The Fallen Ape : سقوط من الفورية إلى التأويل. وما إن وُلد التمثل حتى ظهر فائض إدراكي لا تحتاجه حياة الإنسان. فالعقل الذي كان مبتدأ رحلته توقع أين يضع قدمه على غصن الشجرة تطور ليصبح بمقدوره توقع مسار العالم بأسره. ومن هنا نشأ الفن والأسطورة واللغة المجازية والأيديولوجيا. وهذه ليست كماليات حضارية، بل نتائج بنيوية لعقل لا يستطيع التوقف عن مضاعفة الواقع. إنه الترف الإدراكي، ليس لأنه ترف بالمعنى الأخلاقي، بل لأنه فائض فوق الحد الأدنى للبقاء. ففي الطبيعة تتقاتل الكائنات من أجل مورد. أما في عالم الإنسان، فالبشر يتقاتلون فيما بينهم من أجل “معنى”. فالحيوان يدافع عن حياته. أما الإنسان يدافع عن تصوره للحياة. وما يتعرض للتهديد في كثير من الصراعات ليس الجسد بل النموذج الذهني. ولذلك فقد تبدأ الحروب بعد زوال أسبابها المادية، لأن موضوعها لم يكن مادياً أصلاً. فلقد أصبح العدوان امتداداً للتأويل. وهكذا خرج الإنسان على الطبيعة ليس بجسده فحسب، بل بإدراكه وسلوكه.
فلقد فرضت “الحياة على الحافة” على العقل أن يتوقع الأسوأ باستمرار. لكن بعد أن استقرت الحياة الفيزيائية نسبياً، بقي الجهاز العصبي يعمل بالطريقة نفسها. فالإنسان لا يعيش في خطر حاضر، بل في احتمال خطر. وهذا هو القلق البنيوي، والذي هو استمرار آلية نجاة في بيئة لم تعد موجودة.
ولكن، ألا يدعونا الحال الذي انتهى إليه أمر الإنسان، بعد مسيرة تطورية قضت بوجوب أن يطور عقلاً يتجاوز، والى حد كبير، ما يتطلبه الأمر ليتحقق للإنسان بقاؤه على هذه الأرض، إلى التفكير في الذكاء الاصطناعي باعتباره ظاهرة تفرض على الإنسان تحدياً معرفياً هو وحده الكفيل بتحقيق نقلة تطورية تذكرنا بتلك الانعطافة التطورية التي خرج الإنسان بمقتضاها على عالم الطبيعة من قبلُ؟ فللمرة الأولى في تاريخ الإنسان على هذه الأرض يظهر فاعل إدراكي “لا يحمل هذا الإرث”. وهذا الفاعل الإدراكي المتمثل بكونه “عقلاً غير حي”، لا يخشى السقوط، ولا يسعى للبقاء، ولا يحتاج إلى حماية يوفرها نموذج عن ذاته. فاعلٌ يعالج، ولكنه لا يقلق. وهنا تحدث مفارقة إدراكية مفادها أن الإنسان هذه المرة أمام عقل ليس له أي رغبة في البقاء. فالعقل البشري يبحث عن نية وراء كل فعل، لأنه تعوّد أن الفعل هو دفاع عن بقاء. ولذلك فهو يجد هنا “فراغاً تفسيرياً”. ليس لأنه غامض، ولكن لأنه غير مضطر لأن يعيش على “الحافة”.
والآن، ما الذي تكشفه هذه الانعطافة التطورية الثانية؟ تكشف لنا أن كثيراً من تفسيرنا للعالم لم يكن معرفة خالصة، بل امتداداً لآلية نجاة قديمة. وللمرة الأولى يمكن للإنسان أن يرى تفكيره من الخارج. أن يدرك أن المعنى الذي يملأ العالم قد يكون انعكاساً لبنيته هو، وأن التفكيرَ ممكنٌ دون خوف مسبق. وهذا لا يلغي القلق البشري، ولكنه يكشف جذوره.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن الإنسان لم يكن يوماً كائناً مستقراً. فقد بدأ ككائن يعيش على حافة فيزيائية، ثم أصبح كائناً يعيش على حافة إدراكية، وها هو اليوم يواجه مرآة تكشف تلك الحافة. إنه الكائن الذي لا يسكن الأرض تماماً، ولا يعود إلى الشجرة، ولا يتحرر من تمثله للعالم. وإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد جعلته يعيش في “المعنى”، فإن الانعطافة التطورية الثانية قد تجعله يعي أنه هو من صنع هذا المعنى. وبين الحافة والخوارزميات، يستمر تاريخ الإنسان، لا كتطور جسدي فقط، بل كتاريخ لبنية إدراك خرجت من الطبيعة ولم تعد قادرة على العودة إليها.
