
على مدار الأشهر الماضية، تحدثتُ، وعبر العديد من المقالات عن “هشاشة الإنسان” ليس كضعف طارئ، بل كجذر وجودي. واليوم، ومن خلال الربط بين إيفان ديتريش، وبرانكو بوكون، وإرنست بيكر، نكتشف أن الإنسان هو الكائن الذي سقط من الجنة ليجد نفسه في تيه الوعي بضعف جسده من ناحية وبـ “وهم العظمة” الذي تزينه له نفسه من الناحية أخرى.
يبدأ فهم هشاشتنا من العقل. فإيفان ديتريش يطرح في كتابه “The Fallen Ape” (2024) (القرد الساقط) أن تطور الدماغ البشري لم يكن صعوداً متناغماً، بل كان “انفجاراً” خلق فجوة بين المهاد (مركز المشاعر والغرائز القديمة) والقشرة المخية (مركز التجريد والوعي). فنحن البشر كائنات هشة لأننا نملك “محركاً” (وعياً) أقوى بكثير من “الهيكل” (الجسد والغرائز) الذي يحمله. وهذا التضارب الهيكلي يجعل القلق والتمزق النفسي قدراً بايولوجياً لا مفر منه.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى ما طرحه برانكو بوكون (1977) في كتابه Man: The Fallen Ape من أن السقوط هو فقداننا للثقة الغريزية. فالإنسان هو “القرد الساقط” الذي يعاني من عقدة نقص موغلة في القدم تجاه الطبيعة. ولأننا فقدنا بوصلة الغريزة التي توجه الحيوان، أصبحنا كائنات “متوترة” بطبعها. فالهشاشة هنا ليست في الجسد، بل في ذلك “التوتر المزمن” الذي يدفعنا إلى محاولة إثبات جدارتنا عبر القوة أو السيطرة فراراً من شعورنا الداخلي بالضعف.
وأمام هذا “الجرح البيولوجي” (ديتريش) و”التوتر السلوكي” (بوكون)، لا يجد الإنسان سبيلاً للعيش إلا بالإنكار Denial . هنا يأتي إرنست بيكر ليشرح لنا كيف نستخدم وعينا المتضخم لبناء “مشاريع الخلود”. فالدين والفن والقوميات وحتى الصراعات الإيديولوجية، ما هي إلا “ضمادات” نحاول بها رتق هشاشتنا. فنحن نبني قلاعاً من الرموز والمعاني لنقنع أنفسنا بأننا لسنا مجرد “مادة بايولوجية” زائلة. نحن نستخدم “القشرة المخية” لابتكار “بطولة” توهمنا بأننا قهرنا الموت.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن “القرد الساقط” ليس وصفاً مهيناً، بل هو توصيف لحالة “الكائن المتجاوز”. إن هشاشتنا هي التي جعلت منا كائنات مبدعة؛ فلولا الشعور بالنقص (بوكون)، ولولا التمزق بين الغريزة والوعي (ديتريش)، لما احتجنا إلى ابتكار المعنى (بيكر). فنحن الكائنات الهشة التي تُدرك فناءها، ومع ذلك تصرّ على كتابة القصائد وبناء الحضارات. إن ترميم “السقوط” لا يكون بالعودة إلى حالة القرد، بل بقبول الهشاشة كشرط إنساني، وتحويل القلق الوجودي إلى طاقة إبداعية تبحث دائماً عما وراء المادة.
