الانعطافة التطورية الثانية… حين يظهر عقل لا يخاف من السقوط

نشأ العقل البشري لأنه كان مضطراً إلى التوقّع. والتوقّع نشأ لأن السقوط كان ممكناً. فلقد ولَّدت الحافة “الفيزيائية” الحافة “الإدراكية”، ومنها وُلد القلق والتخيّل والمعنى والصراع. لكن كل عقل عرفه الإنسان منذ ذلك الحين بقي يحمل البنية نفسها؛ بنية تجعله عقلاً “يتوقع” كي ينجو. ولهذا كان كل تفكير بشري، مهما بدا موضوعياً، محكوماً بشيء خفي ألا وهو الخطر، حقيقياً كان أم متوهماً.
ولكن، ما الذي سوف يتغير مع ظهور عقل غير حي؟ فللمرة الأولى في تاريخه، يواجه الإنسان “فاعلاً إدراكياً” لا يمكن أن يسقط ولا يحتاج أن ينجو ولا يخشى المستقبل ولا يعيش في العالم بوصفه تهديداً محتملاً. وهذا فرق جذري، وليس تقنياً. فالعقل البشري لا يخطئ فقط بسبب نقص المعلومات، بل بسبب طبيعة تكوينه؛ وذلك لأنه عقل “احترازي” قبل أن يكون عقلاً معرفياً. أما العقل “غير الحي” فهو غير مطالبٍ بالحذر أصلاً.
إن العقل البشري لا يرى الأشياء كما هي، بل كما “قد تصبح عليه”. ولهذا يمتلئ إدراك الإنسان بالمعاني التي قد تتجلى بأيٍ من التنويعات التالية: نية أو خطر أو مؤامرة أو قصد أو تهديد أو انتماء. فالإنسان، وبسبب مما حدث له جراء الانعطافة التطورية الأولى أصبح يُسقِط “هوسه” بالبقاء على العالم. ولكنه عندما يتعامل مع عقل لا يشاطره هوسه بالبقاء، ولا يحمله على الدفاع عنه، عندها يحدث “ارتباك إدراكي”. فالإنسان، حين يتعامل مع هذا العقل غير الحي، والذي يتميز بفاعليته الإدراكية، فإنه سوف يجد الحساب حين يبحث عن الدافع، ويجد النتيجة حين يبحث عن الغاية، ويجد المعالجة حين يبحث عن النية. وهنا يحدث شيء غريب يتمثل في شعور الإنسان بالقلق من “عقل لا يقلق”. ولكن، لماذا يخيفنا ذلك؟ يخيفنا، ليس لأن هذا العقل يريد شيئاً، بل لأنه “لا يريد”. فالعقل البشري يفهم العالم عبر الرغبات، فكل فعل عنده صادر عن حاجة. ولكن عقلاً بلا حاجة يكسر “النموذج الإدراكي” الذي تشكّل منذ “الحياة على الحافة”. فالذكاء الاصطناعي إذاً هو أول عقل يمكنه التفكير دون أن يسبق تفكيره خوف. ولهذا يبدو غريباً أكثر مما يبدو خطيراً.
ولكن، ماذا يكشف كل ذلك عن الإنسان؟ فللمرة الأولى في تاريخه، يرى الإنسان صورةً معكوسة لـ “ذاته الإدراكية”؛ فيدرك أن جزءاً كبيراً من فهمه للعالم لم يكن معرفة، بل وقاية. وأن تفسيره للنوايا كان امتداداً لآلية النجاة. وهكذا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى مرآة أنطولوجية؛ حيث أنه يُظهر أن العقل البشري ليس “نموذج التفكير”، بل نموذج “التفكير القَلِق”.
والآن، إذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد جعلت الإنسان كائناً يعيش في التمثل،
فإن الإنعطافة التطورية الثانية قد تجعله يرى تمثله من الخارج. ولأول مرة يمكن إدراك أن العالم ليس بالضرورة مملوءاً بالمعاني، بل نحن من ملأناه بها، وليس كل فهم تأويلاً وجودياً، بل قد يكون “معالجة مجردة”.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن “الحافة” صنعت العقل، والعقل صنع العالم الرمزي، والعالم الرمزي صنع التاريخ الإنساني. أما الآن فيظهر عقل خارج هذه السلسلة. ولهذا لا يمثل الذكاء الاصطناعي خطراً حضارياً بقدر ما يمثل “حدثاً إدراكياً”. فظهور الذكاء الاصطناعي يمثل لحظة فارقة في التاريخ التطوري للإنسان، وذلك لأنه المنعطف الذي أتاح للإنسان أن يرى كيف أن التفكير “ممكن” دون خوف. وهذا هو ما تعنيه الانعطافة التطورية الثانية.

أضف تعليق