في معنى الإحسان كما يحدِّده قولُ اللهِ تعالى “وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا”

إذا أردنا أن نتبيَّنَ حقيقةَ الإحسان، فما علينا إلا أن نستعينَ بقولِ رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ”، وذلك لنتبيَّنَ معنى آيةٍ كريمة هي المفتاح لفقه الإحسان. وهذه الآيةُ الكريمة هي 86 من سورةِ النساء: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا).
فإذا كان الإتقان هو “الأداء الأمثل” لأي عبادةٍ أمر اللهُ تعالى بها، فعندها يكون الإحسان هو هذا الإتقان. فالإحسانُ هو ليس هذا الفعلَ التعبدي، كما تعرِّفه اللغة تعريفاً حرفياً. فإتقانُ الفعل التعبدي يقتضي ألا يجيءَ هذا الفعل متوافقاً مع هذا المعنى فحسب، ولكن أن يصدرَ عن المرء وقد أضفى عليه حالُه مع اللهِ تعالى ما يجعله عملاً صالحاً خالصاً لوجهِه الكريم. فأن تردَّ التحيةَ إذا ما حُييت، هو فعلٌ تعبدي لن يبلغَ مبلغَ الإحسان إلا من بعد أن تزيدَ عليه بما يجعل من تحيتِك أكثرَ سمواً مما حُييتَ به. فمن مكارمِ الأخلاق أن تردَّ التحية، ولكن من تمامِ مكارمِ الأخلاق أن تزيدَ عليها بما يجعل من تحيتِك “أحسنَ” من التحيةِ التي حُييتَ بها.
وهذا مصداقُ قولِ رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم “إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ”. فمن تمامِ مكارمِ الأخلاق ألا تكتفيَ بردِّ التحيةِ، ولكن أن تضفيَ عليها من “الإتقان” ما يبلغ بها مقامَ الإحسان، وذلك بألا تردَّ التحيةَ “عادةً” من دون أن تقصدَها، فيستشعر مَن حياك بأنك لا تقصدها، كأن يكون بالُك مشغولاً بغيرِما نطقَ به لسانُك. ومن إتقانِ التحية أن تزيدَ عليها ما يجعل مَن حياك يتبيَّن في تحيتِك بشاشةً وبِشراً يشعرانه بانتفاءِ وجودِ أي مسحةٍ من الرياءِ أو النفاقِ أو المجاملة.
وبذلك يمكننا أن نتبيَّنَ معنى الإحسان في كلِّ فعلٍ تعبدي أمرَ اللهُ تعالى به إن كان أداؤه قد خلا من كلِّ ما يجعلُه آلياً متكلَّفاً يفتقرُ إلى الصدقِ متعالياً على كلِّ ما يجعل المقصودَ من ورائه أحداً آخر غيرَ الله.

أضف تعليق