بسمارك في المخيلة العربية… حين تختار الحضارات نموذج القوة لا نموذج القرب

ليست النماذج التاريخية التي تستلهمها الأمم انعكاساً لما يشبهها ثقافياً، بل لما تحتاجه وجودياً. فالحضارات، في لحظات اضطرابها، لا تبحث عمّن يشبهها في الذوق، بل عمّن يجيب عن قلقها البنيوي. ومن هنا تنشأ المفارقة: لماذا انجذب روّاد القومية العربية إلى تجربة أوتو فون بسمارك أكثر من انجذابهم إلى تجربة الوحدة الإيطالية التي ارتبطت رمزياً باسم جوزيبي فيردي؟
أليست إيطاليا المتوسطية، بمدنها المتنافسة، وذاكرتها الإمبراطورية القديمة، وشعرها السياسي، أقرب روحاً إلى المشرق العربي من بروسيا الحديدية الباردة؟
لكن التاريخ لا يعمل بمنطق القرب الروحي، بل بمنطق الضرورة.
إن الوحدة الألمانية التي توُّجت بإعلان الإمبراطورية عام 1871 لم تكن ثمرة نهوض ثقافي فحسب، بل ثمرة هندسة سياسية باردة. فبسمارك لم ينتظر اكتمال الوعي القومي، بل صنع بناء الدولة أولاً، ثم سمح للأمة أن تسكنه.
أما الوحدة الإيطالية، الـ Risorgimento، فكانت، في عمقها، حركة إحياء حضاري طويل، امتزجت فيه الرومانسية الثورية (مازيني)، والمغامرة الشعبية (غاريبالدي)، والرمزية الثقافية التي جسدها (فيردي)، قبل أن تتبلور في كيان سياسي. وهنا يكمن الفرق الحضاري الذي يتمثل في أن ألمانيا قد توحّدت عبر الدولة، أما إيطاليا فقد توحّدت عبر الحلم.
عند مطلع القرن العشرين، لم يكن العرب يعانون نقصاً في الإحساس بالانتماء الثقافي. فاللغة والتراث والذاكرة الدينية والمخيال المشترك، كلها كانت موجودة. وما كان مفقوداً هو الشكل السياسي القادر على احتواء هذا المخزون. فالتجزئة التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية، ثم اتفاقيات مثل اتفاقية سايكس بيكو، لم تفتّت شعوراً قومياً بقدر ما ثبّتت حدوداً سياسية قسرية. وبحسب منطق الفلسفة التاريخية، فإن الحضارة حين تواجه أزمة “تفكك الشكل” تبحث عن نموذج يعيد إليها البنية، لا عن نموذج يعمّق وجدانها. ولذلك بدا بسمارك أكثر جاذبية من فيردي.
والآن، إذا استعرنا لغة المؤرخ الإنكليزي “أرنولد توينبي” Arnold Toynbee، فإن كل حضارة تواجه “تحدياً”، وتنتج “استجابة”. فالتحدي العربي لم يكن تحدياً ثقافياً، بل سيادياً–سياسياً. وفي هذا السياق، يصبح بسمارك رمز “الاستجابة الصلبة” التي تتمثل في المركز القوي والتوحيد من الأعلى وإدارة صراع خارجي لتثبيت الداخل وصناعة الأمة عبر جهاز الدولة، أما النموذج الإيطالي، فكان أقرب إلى استجابة ثقافية طويلة النَفَس، لا تصلح لحضارة تشعر بأنها محاصرة زمنياً.
غير أن هنالك بعداً أعمق في هذه المسألة. فبروسيا لم توحّد ألمانيا لأنها تشبهها ثقافياً، بل لأنها امتلكت جهازاً عسكرياً وإدارياً سابقاً على الوحدة. أي أن الوحدة كانت امتداداً لقوة قائمة. وهذا ما جذب المخيلة العربية، ففكرة أن الدولة ليست نتيجة الأمة، بل شرطها. وفي المقابل، التجربة الإيطالية كانت تفترض نضجاً مدنياً، وطبقة وسطى فاعلة، وتقاليد دستورية قادرة على استيعاب التعدد. وهي شروط لم تكن متجذّرة في المزاج العربي.
والآن، إذا ما استعرنا منظور المؤرخ الألماني شبنغلر، يمكن القول إن كل حضارة في طورها المتأخر تميل إلى تمجيد “الدولة الصلبة” بوصفها علاجاً لانحلالها. فالنزوع إلى نموذج بسمارك يعكس لحظة خوف من التفكك أكثر مما يعكس إعجاباً بالثقافة الألمانية. فلقد اختارت النخب العربية نموذجاً لا يشبه روحها، لكنه يشبه قلقها. وهنا تتبدّى المفارقة؛ فالقومية العربية، وهي مشروع ذو مضمون ثقافي–لغوي عميق، استلهمت نموذجاً سياسياً يقوم على “العقل الأداتي” البارد لا على “الإحياء الرومانسي”.
وهنا، وعند هذه النقطة تحديداً، ينبغي التشديد على أمر قلما انتبه إليه الباحثون؛ فالوحدة الألمانية كانت ثمرة سياق أوروبي صناعي–عسكري، بينما كانت الوحدة الإيطالية أقرب في بنيتها التاريخية إلى الفضاء العربي المتوسطي. لكن الحضارات في لحظات الانكسار لا تختار النموذج الأكثر شبهاً بها، بل الأكثر وعداً بالقوة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن انجذاب روّاد القومية العربية إلى بسمارك لم يكن انحيازاً ثقافياً، بل انعكاساً لمرحلة تاريخية شعرت فيها الذات العربية أن بقاءها مرهون بإعادة بناء شكلها السياسي سريعاً. فالحضارات، حين تخشى التفتت، لا تستدعي الشعراء، بل تستدعي المهندسين. وربما كان السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا التأثر هو: هل يمكن لأمةٍ أن تبني وحدتها بروح نموذج لا يشبه روحها؟ وهذا سؤالٌ لا يزال بإنتظار الإجابة.

أضف تعليق