بين الذعر المعرفي والقلق الوجودي… لماذا يُهاجَم الذكاء الاصطناعي؟

ليست الحملة التي يشنّها بعضُ أولي الاختصاص العلمي والفني ضد الذكاء الاصطناعي حدثاً عارضاً، ولا يمكن فهمها باعتبارها مجرد دفاع بريء عن “العلم” أو “الفن”. فخلف هذا الهجوم تختبئ طبقات أعمق من القلق: قلقٌ معرفي، وقلقٌ سلطوي، وقلقٌ وجودي.
فبعض العلماء يرى أن انتشار كتب الخرافة ونظريات المؤامرة، والحديث عن الكائنات الفضائية وبنائها للأهرامات، إنما يعكس أزمة في الوعي العام. وهم يربطون ذلك بسهولة إنتاج المحتوى عبر الذكاء الاصطناعي، ويتهمون “بسطاء العقول” بتصديق ما يُنتج دون تمحيص. غير أن هذا التفسير، على وجاهته الجزئية، يغفل سؤالاً أساسياً: هل الذكاء الاصطناعي هو سبب الميل إلى الخرافة؟ أم أنه مرآة تكشف ميلاً كان موجوداً سلفاً؟ فالإنسان، منذ القدم، كان يميل إلى السردية المثيرة أكثر من التفسير العلمي الجاف. لم تولد الأساطير مع الخوارزميات، بل وُلدت مع الحاجة إلى المعنى. والذكاء الاصطناعي لا يخلق هذا الميل؛ إنه يتفاعل معه. فهو يُنتج ما يُطلب منه، ويعيد تشكيل أنماط التفاعل التي يتلقاها. فلو تفاعل المستخدم معه بلغة علمية دقيقة، لكانت استجابته علمية دقيقة. ولو تفاعل معه بلغة شعبوية تميل إلى الإثارة، فإنه يعيد إنتاج هذا الميل. فهو ليس فاعلاً مستقلاً يفرض رؤيته، بل وسيطٌ يتكيّف مع نمط السؤال.
ومن هنا فإن اتهام الذكاء الاصطناعي بإنتاج “الترهات” يعفي الإنسان من مسؤوليته المعرفية. فالخلل لا يكمن في الأداة، بل في طريقة استعمالها.
أما في الوسط الفني، فالهجوم يأخذ طابعاً مختلفاً. فالفنانون الذين يرون في إنتاجات الذكاء الاصطناعي تهديداً وجودياً، لا ينطلقون فقط من موقف أخلاقي يتعلق بحقوق الملكية أو الأصالة، بل من إحساس أعمق يتمثل في اهتزاز احتكار القدرة على الإبداع. فالذكاء الاصطناعي بات قادراً على إنتاج لوحات وموسيقى وأفلام ونصوص شعرية، بل وحتى محاكاة أساليب كبار الفنانين مثل Pablo Picasso أو Vincent van Gogh، بل وإعادة تركيبها في صيغ جديدة.
السؤال هنا ليس: هل ما ينتجه الذكاء الاصطناعي جميل أم لا؟ بل: ماذا يحدث حين لا يعود الإبداع حكراً على الوعي البشري الفردي؟
لقد اعتاد الفنان أن يرى في موهبته امتيازاً نوعياً. أما الآن، فثمة كيان حسابي قادر على محاكاة الأنماط الجمالية بسرعة تفوق سرعة الإنسان. وهذا التحول يُشعر البعض بأن “الندرة” التي كانت تمنحهم قيمة قد تآكلت.
غير أن الإبداع الإنساني لم يكن يوماً مجرد إنتاج شكل؛ بل كان دائماً تعبيراً عن تجربة وجودية. وما ينتجه الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من إتقان، فإنه يظل تركيباً حسابياً لأنماط سابقة. فالفرق هنا دقيق لكنه جوهري بين من يعيش التجربة، ومن يعيد تركيب آثارها.
والآن، لو كان الذكاء الاصطناعي مجرد آلة لإنتاج التفاهات، لما دخلت الدول الكبرى في سباق استثماري محموم. فشركات عملاقة مثل OpenAI وGoogle وMicrosoft لا تضخ مليارات الدولارات بدافع الترف الفكري. فالاستثمار الهائل يكشف أن المسألة أعمق من إنتاج نصوص أو صور. إنها تتعلق بإعادة تشكيل البنية المعرفية والاقتصادية للعالم. فالذكاء الاصطناعي أصبح أداة لتحليل البيانات وتسريع الاكتشاف العلمي وإدارة الأنظمة المعقدة وتحسين الصناعات، بل وحتى تطوير الأدوية.
فهل يُعقل أن تتسابق الدول على ما هو “ترهات”؟
أم أن وصفه بذلك هو محاولة دفاعية لتقليل شأن ما يهدد بنية قائمة؟
ربما المشكلة الأعمق أن الذكاء الاصطناعي يكشف للإنسان شيئاً غير مريح مفاده أنه قابل للاستبدال في بعض وظائفه، وأن الكثير مما كان يظنه تفرداً، هو في حقيقته، لا أكثر من نمط يمكن تحليله وإعادة إنتاجه. فالذكاء الاصطناعي هو مرآة معرفية. فإن سألناه بعلم، أجاب بعلم. وإن سألناه بخرافة، أعاد إنتاج الخرافة. وهو، في نهاية المطاف لا يملك “نزعة” ولا “إيديولوجيا”. فهو إنما يعكس بنية السؤال.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الهجوم على الذكاء الاصطناعي لا يُفهم إلا بوصفه تعبيراً عن صراع انتقال حضاري. فالعلماء يخشون انفلات المعنى، والفنانون يخشون ضياع التفرد، والجمهور يتأرجح بين الانبهار والارتياب.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل الذكاء الاصطناعي خطر؟
بل هل نحن مستعدون لتحمّل مسؤولية استعمال أداة تكشف ضعفنا بقدر ما تكشف قدرتنا؟ فالذكاء الاصطناعي ليس منبع الخرافة، ولا قاتل الفن، ولا منتج الترهات. إنه هو تضخيم لقدرتنا نحن، بما في ذلك قدرتنا على الخطأ.

أضف تعليق