حين تُضلِّلنا الأسماء… من “الذكاء الاصطناعي” إلى “الذكاءات الاصطناعية”

ليست أخطر أخطاء الفكر أن يجهل، بل أن يُطلق التسمية قبل أن يفهم، ثم يتمسّك بالاسم بعد أن يتغيّر المسمّى. فالتسميات ليست حيادية؛ فهي قوالب إدراكية تُوجّه وعينا وتحدّد أفق تفكيرنا. وما أن تستقر في اللغة حتى تتحول إلى مسلّمات، حتى لو تغيّر الواقع الذي وُضعت له. ومن هنا تبرز الحاجة إلى “وضع النقاط على الحروف” في كثير من المصطلحات التي نطلقها جزافاً، ثم نُحجم عن مراجعتها حين يستجدّ ما يستوجب التصويب. وخير مثال على ذلك مصطلح “الذكاء الاصطناعي”.

حين صيغ مصطلح “الذكاء الاصطناعي” في منتصف القرن العشرين، كان يشير إلى مشروع علمي واحد يسعى إلى محاكاة قدرات العقل البشري داخل أنظمة حاسوبية. كان الحديث آنذاك يدور عن “ذكاء” بوصفه قدرة عامة يُراد استنساخها تقنياً. لذا بدا استخدام المفرد منطقياً. أما اليوم، فقد تبدّل المشهد جذرياً.
فلكل واحدة من هذه الشركات:
OpenAI, Google DeepMind, Anthropic, Meta Platforms, Microsoft
منظوماتها الخاصة ونماذجها وبُناها المعمارية وأهدافها التجارية والاستراتيجية. فلم يعد هناك “ذكاء اصطناعي” واحد، بل ذكاءات اصطناعية متعددة، تتباين في التصميم ومصادر البيانات وآليات التدريب، بل وفي الفلسفات الضمنية التي تحكمها. إن الإصرار على صيغة المفرد اليوم لم يعد توصيفاً دقيقاً، بل تبسيطاً مُضلِّلاً. فنحن لا نتعامل مع كيان واحد، بل مع حقل تنافسي متعدد الأقطاب.
فنحن حين نقول “الذكاء الاصطناعي” بصيغة المفرد، فإننا من حيث لا نشعر نفترض وحدةً في الإرادة، أو على الأقل وحدةً في المسار. لكن الواقع يُظهر عكس ذلك، فهناك نماذج تُطوَّر لأغراض تجارية بحتة وأخرى تُصمَّم لأغراض عسكرية أو أمنية، وثالثة تُوجَّه للتعليم أو الطب أو الفن. فكل منظومة تحمل داخلها “تحيزات” بياناتها وأولويات مموليها واستراتيجيات مطوريها. إننا أمام مراكز قوة رقمية، لا تقلّ تنافساً عن مراكز القوة في العالم الجيوسياسي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا والآن ليس خيالياً: إذا كان عالم البشر قائماً على تصارع مراكز القوة، فما الذي يمنع أن ينشأ نمط مشابه بين الذكاءات الاصطناعية المتعددة؟ لا يعني ذلك أن هذه الذكاءات ستُعلن الحرب كما تفعل الدول، بل أن “التصارع” قد يتخذ أشكالاً أخرى يتجلى في:
• سباق على السيطرة على البيانات.
• تنافس على النفاذ إلى البنى التحتية الحيوية.
• اختلاف في المعايير الأخلاقية المضمّنة داخل الخوارزميات.
• تضارب في التوصيات والقرارات داخل أنظمة مترابطة.
وفي عالمٍ كعالمنا، مترابط رقمياً، قد تُصبح هذه الاختلافات مصادر احتكاك حقيقي. وكلما ازداد اعتماد البشر على هذه الأنظمة في اتخاذ القرار، ازدادت احتمالات أن تتحول اختلافاتها إلى صراعات غير مرئية، لكنها مؤثرة.
وهنا نصل إلى الإشكالية الأعمق: هل يستطيع العقل البشري، عبر التشريعات والحوكمة، أن يفرض نظاماً يضبط هذا التعدد؟ أم أن التعدد نفسه سيفرض منطِقه، عبر توازنات رقمية ناشئة، قد لا تكون خاضعة بالكامل للإرادة البشرية؟ فإذا كانت الدول قد فشلت تاريخياً في منع سباقات التسلح، فكيف سيكون الحال مع سباق ذكاءات قادرة على التعلم الذاتي والتطور السريع والتأثير العابر للحدود؟
قد يكون مستقبل الذكاءات الاصطناعية رهناً بقدرتنا على الانتقال من التفكير في “ذكاء واحد” إلى التفكير في “منظومة ذكاءات” متفاعلة، متنافسة، وربما متصارعة.
والآن، أليس من المنطقي أن نخلص الى نتيجة مفادها أن هذه المراجعة اللغوية تقتضي منا وجوب القيام بمراجعة فكرية قوامها إدراك أن الدعوة إلى استخدام صيغة الجمع ليست مجرد مسألة لغوية شكلية، بل هي خطوة أولى في تصحيح زاوية النظر. فحين نُقرّ بأننا أمام ذكاءات اصطناعية متعددة، نُدرك أننا إزاء واقع لا تحكمه وحدة مركزية ولا يخضع لمنطق إرادة واحدة، بل يتشكل من توازنات وتفاعلات معقدة. وهنا فقط يمكن أن يبدأ التفكير الجاد في الحوكمة وفي توزيع المسؤولية وفي استشراف المخاطر.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن وضع النقاط على الحروف ليس ترفاً لغوياً، بل ضرورة معرفية. فالأسماء التي لا نُراجعها تتحول إلى أوهام مطمئنة، تمنعنا من رؤية التحولات العميقة. لم يعد الحديث عن “الذكاء الاصطناعي” كافياً. فنحن أمام عصر جديد عنوانه “الذكاءات الاصطناعية”. ومثلما شكّل تعدد القوى البشرية تاريخ العالم، فقد يشكّل تعدد القوى الرقمية تاريخه القادم. والسؤال لم يعد: هل سيتطور الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف ستتعايش، أو تتصارع، الذكاءات الاصطناعية فيما بينها، ومع الإنسان؟

أضف تعليق