كيف تعيننا خريطة بروست لهشاشة الإنسان على سبر أغوار النفس البشرية؟

لا يمكن قراءة رواية “البحث عن الزمن المفقود” بوصفها استرجاعاً عاطفياً لزمن جميل مضى، بل هي في جوهرها مانيفستو للهشاشة الإنسانية. لقد استطاع مارسيل بروست، ببراعة يفتقر إليها كثيرون، أن يحول “الضعف” من حالة عارضة إلى قدر إنساني وجودي، مستنطقاً تجليات هذا الوهن في الجسد والقلب والذاكرة.
فبينما يرى البعض في كتاب بروست “البحث عن الزمن المفقود” تمجيداً للماضي، نجد أن النص يطرح رؤية “قاسية” للزمن. فالزمن عند بروست ليس وعاءً للذكريات، بل هو “قوة تآكل” تنال من ذاكرة الإنسان بأكثر مما تنال من جسده. فالهشاشة هنا تكمن في عجزنا أمام تدفق الثواني؛ فنحن كائنات مصنوعة من مادة قابلة للزوال، وما استحضار الماضي إلا محاولة يائسة لترميم ذواتنا المتشظية. فبروست لا يحن للماضي، بل يفضح عجز “الحاضر” عن منحنا الشعور بالامتلاء.
لم يكتب أحد عن الضعف البايولوجي للإنسان كما فعل بروست؛ فالجسد في الرواية ليس مجرد غلاف، بل هو مصدر قلق دائم.
فكلٌ من المرض والشيخوخة والموت يظهر كحقيقة وحيدة تعري زيف الأقنعة الاجتماعية. وخير مثال على ذلك، ما فصله بروست في المجلد الأخير من روايته “البحث عن الزمن المفقود” والذي عنونه بـ “الزمن مستعاد”، وذلك حين رسم لوحة مرعبة لهشاشة الوجوه التي غيرها الزمن، حيث يصبح الأصدقاء والنبلاء مجرد “أنقاض” بشرية، مما يؤكد أن القوة والجمال هما مجرد وهم مؤقت.
كما وأن بروست، يقدم لنا تشريحاً دقيقاً لهشاشة المحب وذلك في علاقة الراوي بـ “ألبرتين” أو علاقة سوان بـ “أوديت”. فالحب عنده ليس سمواً، بل هو مرض وفقدان للسيطرة. ولنا في العبارة “إننا لا نحب إلا ما لا نملكه تماماً” ما يكفينا دليلاً على هشاشة الأنا التي ترهن سعادتها بـ “الآخر” المراوغ. فالغيرة، عند بروست، هي اعتراف بالهزيمة أمام غموض الآخر، وهي تجلٍ صارخ لضعفنا في امتلاك الحقيقة.
وأكبر مساهمة لبروست في مفهوم الهشاشة هي تحطيمه لفكرة “الأنا الموحدة”. فنحن لسنا شخصاً واحداً، بل نحن سلسلة من “الأناوات” التي تموت وتولد كل يوم. والذاكرة اللاإرادية هي الدليل الأكبر على ضعفنا؛ فنحن لا نستطيع استدعاء أنفسنا الحقيقية بإرادتنا، بل نحن رهن “صدفة” (رائحة او طعم أو لمسة رصيف) هي التي تمنحنا وجودنا للحظات ثم تتركنا للعدم.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن بروست هو مرآة لضعفنا البشري. وتتجلى عبقريته في كونه لم يحاول “علاج” الهشاشة البشرية، بل أعطاها صوتاً ولغة. فلقد جعل بروست من الضعف البشري مادة أدبية تتجاوز الرومانسية المبتذلة لتصل إلى عمق تجربتنا الإنسانية الفردية. إن “البحث عن الزمن المفقود” هو الكتاب الذي يعلمنا أننا كائنات هشة ضعيفة، وأننا متقلبون وزائلون، وأن في اعترافنا بهذا الضعف تحديداً، تكمن قوتنا الوحيدة كبشر.

أضف تعليق