التطرف المعرفي بوصفه أثراً من آثار الانعطافة التطورية الأولى

ليست أخطر نتائج الانعطافة التطورية الأولى أن الإنسان خرج على الطبيعة بوصفه كائناً بايولوجياً فحسب، بل أنه خرج عليها بوصفه كائناً معرفياً. فمنذ اللحظة التي لم يعد فيها الوعي مجرد استجابةٍ فورية لتهديدٍ أو فرصة، بل صار قادراً على بناء تمثلات للعالم، لم يعد الإنسان يعيش داخل الطبيعة، بل صار يعيش داخل تفسيره لها. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة. فالانفصال عن الطبيعة لم يكن انفصالاً جسدياً بقدر ما كان انفصالاً إدراكياً. فالحيوان يتحرك ضمن حدود ما تفرضه الضرورة الحيوية؛ أما الإنسان فبات يتحرك ضمن حدود ما يبنيه من تصورات وتأويلات. ومع هذه القدرة الجديدة على التمثل، نشأ ميلٌ غير طبيعي إلى التطرف في الاعتقاد، والتزمت في التمسك بالرأي، حتى في غياب الدليل. إنها ظاهرة تستحق أن تُدرج ضمن الآثار البنيوية للانعطافة التطورية الأولى والتي تتمثل في تحوّل الاعتقاد من أداةٍ تفسيرية إلى هويةٍ وجودية.
في عالم الحيوان، لا معنى للتطرف الاعتقادي؛ فالحيوان “لا يعتقد” بالمعنى الذي يفهمه الإنسان، بل يتكيّف. وإذا ثبت خطأ سلوكه، عدّله فوراً لأن بقاءه يتوقف على ذلك. أما الإنسان فبوسعه أن يتمسك بفكرة رغم تناقضها مع الواقع، بل أحياناً رغم تهديدها لبقائه. وهذا ما يجعل التطرف المعرفي ظاهرة غير طبيعية بالمعنى البايولوجي. إن القدرة على بناء تمثلات رمزية للعالم، وهي الثمرة المباشرة للانعطافة التطورية الأولى، أنتجت فائضاً إدراكياً. وهذا الفائض لم يُستخدم فقط لفهم الطبيعة، بل لإعادة تشكيلها داخل الذهن وفق أنماط تأويلية قد تنفصل عن معطياتها الواقعية. ويمكننا أن نرى هذا الميل في صورتين متقابلتين ظاهرياً، لكنهما تصدران عن البنية الذهنية ذاتها:
1. التقديس الواهم (Mistification): وهو ميل إلى إضفاء صفة “الخارقية” على ظواهر قابلة للتفسير الطبيعي. فبعض الناس لا يكتفون بـ “الجهل المؤقت” بتفسير ظاهرة ما، بل يقفزون فوراً إلى تأويل يجعلها معجزة أو كرامة أو حدثاً فوق طبيعي. وهنا لا يكون الخطأ في الإيمان، بل في آلية الانتقال من الملاحظة إلى الحكم. فبدلاً من تعليق التفسير إلى حين اتضاح المعطيات، يُملأ الفراغ التأويلي بسردية خارقة تمنح الظاهرة “قداسة مزعومة” تحصّنها ضد النقد. وهذا الميل ليس مجرد قصور معرفي؛ بل هو تعبير عن حاجة الإنسان إلى المعنى، وعن نزوعه إلى تحويل المجهول إلى رمز.

2. نزع القداسة المتوهَّمة (Demistification): وفي الجهة المقابلة، يقف بعض العلماء الذين يفترضون، بدافع ثقة مفرطة بمنهج العلم، أن كل ظاهرة لم تُفسر بعد ستُفسر حتماً، وأن ما يُسمى بالظواهر الباراسايكولوجية أو الكرامات ليس إلا وهماً أو خداعاً أو سوء فهم. لكن هذا الموقف، حين يتحول إلى يقين مسبق، يغدو هو الآخر شكلاً من أشكال التطرف المعرفي. إذ يتحول المنهج العلمي، الذي هو بطبيعته مفتوح ومؤقت، إلى عقيدة مغلقة. فكما أن الفريق الأول يملأ الفراغ بالقداسة، يملأ الفريق الثاني الفراغ بالإنكار المسبق.
المفارقة أن الفريقين يتشاركان البنية نفسها:
• كلاهما لا يحتمل الفراغ التفسيري.
• وكلاهما يسعى إلى يقينٍ حاسم.
• وكلاهما يتماهى مع تفسيره بوصفه جزءاً من هويته.
وهنا تتبدى إحدى أخطر نتائج الانعطافة التطورية الأولى: تحوّل التفسير إلى امتداد للذات. فحين تصبح الفكرة جزءاً من هوية صاحبها، لا يعود النقاش حولها نقاشاً معرفياً، بل يتحول إلى صراع وجودي. ولهذا نرى الإنسان يتطرف دفاعاً عن رأيه كما لو كان يدافع عن بقائه. فالحيوان لا يؤدلج إدراكه. أما الإنسان فيفعل. كما أن الحيوان لا يضفي قداسة على جهل مؤقت، ولا ينفي احتمالاً لأنه لم يُختبر بعد. لكن الإنسان يفعل الأمرين معاً. وهذا يؤكد أن خروج الإنسان على الطبيعة لم يكن خروجاً نحو الحكمة بالضرورة، بل نحو فائضٍ إدراكي قد يتحول إلى عبء. فالتمثل الرمزي منح الإنسان القدرة على الإبداع، لكنه منحه أيضاً القدرة على التضخيم والتطرف وإغلاق الأفق المعرفي.
إن الميل إلى التطرف في الاعتقاد، سواء في صورة التقديس الواهم أو في صورة نزع القداسة المتوهَّمة، ليس مجرد انحراف أخلاقي، بل هو سمة بنيوية في عقلٍ لم يعد يخضع مباشرةً لقوانين البقاء، بل لقوانين المعنى. فالإنسان لا يبحث فقط عن تفسير، بل عن طمأنينة وجودية. وكلما ازداد قلقه، ازداد ميله إلى اليقين المطلق، في أي اتجاه كان.
والآن، إذا كان التقديس الواهم خطأ، وكان نزع القداسة المتوهَّمة خطأً آخر، فإن البديل ليس موقفاً وسطياً ساذجاً، بل مقاربة تتسم بما يمكن أن نسميه “التواضع المعرفي البنيوي”، والذي يتمثل في أن الاعتراف بأن المجهول ليس دليلاً على الخارقية، وأن عدم التفسير ليس دليلاً على الوهم، وأن العلم ليس عقيدة، وأن الإيمان ليس بديلاً عن البرهان. هذه المقاربة وحدها تعيد الإنسان، جزئياً، إلى اتزانه الطبيعي الذي فقده حين خرج من الطبيعة، وحين صار يعيش في تمثلاته أكثر مما يعيش في العالم ذاته.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن التطرف الاعتقادي ليس عرضاً ثقافياً طارئاً، بل هو أثر من آثار تلك اللحظة الأولى التي غادر فيها الإنسان حدود الاستجابة الحيوية ودخل فضاء التأويل. ومنذ ذلك الحين وهو يتأرجح بين قداسةٍ يضفيها على المجهول، وعقلانيةٍ قد تتحول إلى دوغمائية. وبين هذين الحدّين يتجلى السؤال الأعمق والذي مفاده: هل يستطيع الإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى، أن يتعلم كيف يفكر دون أن يؤدلج تفكيره؟ أم أن التطرف هو الثمن الذي يدفعه كل عقل خرج على الطبيعة؟.

أضف تعليق