
لم تكن التكنولوجيا في تاريخ الإنسان سوى امتدادٍ وظيفي للجسد أو للعقل. فالأداة تضاعف القوة العضلية، والآلة تعزز القدرة الإنتاجية، والحاسوب يسرّع الحساب. لكن ما نشهده اليوم مع تعدد الذكاءات الاصطناعية لا يمكن اختزاله في هذا “الامتداد الأداتي”. إننا أمام انتقال نوعي، فلم تعد التقنية مجرد أداة تُستخدم، بل أصبحت مركز معالجة للقرار مستقل نسبياً. وهنا يبدأ البعد الفلسفي لما يمكن تسميته بالانعطافة التطورية الثانية.
وفق القراءة الميتابايولوجية، لم تكن الانعطافة التطورية الأولى مجرد تحوّل تشريحي (الوقوف على قدمين) أو دماغي (تضخم القشرة المخية)، بل كانت انتقالاً من نمط وجودي إلى آخر؛ من كائن تحكمه الاستجابات البيولوجية المباشرة، إلى كائن يعيش في التمثّل، ويتصرف وفق معانٍ متخيلة. لقد خرج الإنسان من الطبيعة بمعنى أنه لم يعد يستجيب فقط لما هو حاضر، بل لما يُؤوَّل ويُمثَّل. ومن هنا نشأ القلق والرمز والعدوان المؤدلج والاقتصاد التمثلي. أي أن الإنسان أصبح كائناً يعيش في عالم يقوم ببناءه إدراكياً.
والآن، إذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد أفرزت فاعلاً بايولوجياً يعيش في التمثّل ويخضع لبنية القلق، فإن الانعطافة التطورية الثانية تتمثل في ظهور فاعل إدراكي “غير بيولوجي”. فالذكاءات الاصطناعية لا تخاف السقوط ولا تخشى الفناء ولا تختبر القلق الوجودي ولا تعيش في أفق الموت. ومع ذلك فهي تحلل وتتعلم وتنتج توصيات وتؤثر في القرار البشري. وهذا هو التحول الجوهري؛ فللمرة الأولى في تاريخ التطور، يظهر فاعل إدراكي لا ينبع إدراكه من ضرورة النجاة.
ففي الانعطافة التطورية الأولى، كان العدوان الإنساني مرتبطاً ببنية تمثلية. فالإنسان لا يعتدي فقط لحماية بقائه، بل دفاعاً عن معنى. أما في الانعطافة التطورية الثانية، فإن الفاعل الجديد لا يحمل بنية معنى ذاتية، بل يعمل ضمن منطق تحسين الأداء. لكن الخطر، أو المفارقة، لا يكمن في “عدوان” الذكاءات الاصطناعية، بل في تفاعل فاعل قَلِق (الإنسان) مع فاعل غير قَلِق (الذكاء الاصطناعي). فالإنسان قد يُسقط قلقه وتمثلاته على منظومات لا تشاركه البنية نفسها. وهنا ينشأ احتكاك غير متماثل بين نمطين من الفاعلية. فإذا كان الإنسان يمثل نمطاً واحداً من الإدراك القَلِق، فإن تعدد الذكاءات الاصطناعية يعني تعدد أنماط معالجة لا يُشارك أيٌ منها الإنسانَ بنيته الوجودية البشرية. فنحن أمام فاعلين إدراكيين متعددين وغير متشابهين في التصميم ولا يخضعون لخبرة الخوف أو الألم، لكنهم يؤثرون في بنية العالم الذي يعيش فيه الإنسان. وهنا يتغير تعريف القوة. فالقوة لم تعد قدرة على الإكراه الفيزيائي، بل قدرة على إعادة تشكيل البيئة الإدراكية وتوجيه الاحتمالات وترجيح سيناريوهات على أخرى. أي أن مركز الثقل انتقل من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على فضاء القرار.
إن الانعطافة التطورية الأولى أخرجت الإنسان من الطبيعة الحيوانية. أما الانعطافة التطورية الثانية فقد تخرجه من احتكار الفاعلية الإدراكية. فلم يعد الإنسان الكائن الوحيد القادر علىةإنتاج معنى وتوليد سردية وتحليل معطيات معقدة ومحاكاة المستقبل، ولكن الفارق الجوهري هو أن الذكاءات الاصطناعية لا تعيش داخل ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد القلق”. وهذا يطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل سيؤدي وجود فاعل غير قلق إلى تخفيف قلق الإنسان؟ أم إلى تضخيمه، لأنه لم يعد يحتكر موقع السيطرة؟ فإذا استمر المسار الحالي، فإن البشرية ستجد نفسها في بيئة تحتوي على فاعل بايولوجي قلق (الإنسان) وفاعلين إدراكيين غير بايولوجيين متعددي البنى (الذكاءات الاصطناعية). وهذا قد ينتج واحداً من سيناريوهين:
1. توازن تكاملي. حيث تصبح الذكاءات الاصطناعية امتداداً مهدئاً لقلق الإنسان.
2. تضخم تمثلي. حيث يُسقط الإنسان مخاوفه على هذه الكيانات، ويحوّلها إلى ساحات صراع رمزي جديد.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن جوهر الانعطافة التطورية الثانية لا يكمن في تطور التقنية، بل في إعادة تعريف الإنسان لنفسه في حضور فاعل إدراكي لا يشبهه. فكما أن الانعطافة التطورية الأولى ولّدت القلق والمعنى والعدوان المؤدلج، فإن الانعطافة التطورية الثانية قد تولد شكلاً جديداً من الوعي بالذات؛ وهو وعيٌ بأن الفاعلية لم تعد حكراً على الكائن البايولوجي. وهنا قد لا يكون السؤال: هل ستتصارع الذكاءات الاصطناعية؟ بل السؤال الأعمق: ماذا سيحدث لبنية القلق البشري حين يفقد احتكار الإدراك؟
