
لا تُعدّ التسميات في الحقول المعرفية محايدة أو شكلية، بل تمارس وظيفة تأطيرية تحدد زاوية النظر إلى الظاهرة. ومن هذا المنطلق، فإن الاستمرار في استخدام مصطلح “الذكاء الاصطناعي” بصيغة المفرد يعكس تصوراً ضمنياً لـ “وحدة كيان” أو “وحدة مسار”، في حين أن الواقع التقني الراهن يشير بوضوح إلى تعددية بنيوية تتمثل في تعدد نماذج وتعدد شركات وتعدد مصالح وتعدد فلسفات تصميم. إن الانتقال من المفرد إلى الجمع، من “الذكاء الاصطناعي” إلى “الذكاءات الاصطناعية”، ليس مجرد تصحيح لغوي، بل تصويب مفهومي يمكّننا من إدراك أن ما نشهده ليس صعود أداة واحدة، بل تشكل منظومة قوى رقمية متعددة المراكز.
لقد شهد التاريخ الحديث انتقالات متتالية في طبيعة مركز القوة، وذلك كما يلي:
1. مرحلة الدولة السيادية: حيث احتكرت الدولة الحديثة أدوات العنف المشروع، وفقاً لتصور الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبس، وأصبح الاستقرار رهناً بقدرتها على فرض النظام داخلياً وردع التهديدات خارجياً.
2. مرحلة الردع النووي: مع ظهور السلاح النووي، لم تعد القوة مجرد احتكار للعنف، بل تحولت إلى توازن رعب قائم على إمكانية الإبادة المتبادلة. كان الخوف هو الآلية الضابطة.
3. المرحلة الخوارزمية الراهنة: في هذه المرحلة لم تعد القوة متمثلة في القدرة على التدمير المادي، بل في القدرة على التأثير في القرار، والتحكم في تدفقات المعلومات، وصياغة البيئة الإدراكية للمجتمعات.
إن ما يميز المرحلة الثالثة هو أن مركز القوة لم يعد دولة حصراً، بل أصبح موَزعاً بين كيانات تقنية عابرة للحدود.
فلم يعد الذكاء الاصطناعي مشروعاً علمياً موحداً، بل بات حقلًا تنافسياً تتعدد فيه النماذج والخوارزميات والبنى التحتية. ولكل منظومة بياناتها الخاصة وآليات تدريبها وأولوياتها الاقتصادية أو الاستراتيجية وافتراضاتها الأخلاقية المحتواة ضمنياً في تصميمها. وبذلك يمكن النظر إلى كل منظومة ذكاء اصطناعي بوصفها مركز قرار رقمي، يمتلك قدرة متزايدة على التأثير في مجالات الاقتصاد والإعلام والأمن والتعليم. وهذا التعدد يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل يمكن أن ينشأ بين هذه المراكز الرقمية نمط من التنافس أو الاحتكاك البنيوي يشبه ما شهدته الدول في مراحل سابقة من التاريخ؟
إن الردع التقليدي يقوم على فرضية نفسية واضحة قوامها الخوف من الفناء. لكن الذكاءات الاصطناعية، بوصفها أنظمة غير بيولوجية، لا تمتلك وعياً ذاتياً بالمعنى الوجودي، ولا تخشى الموت أو الألم. وهذا يطرح إشكالية فلسفية وسياسية معقدة: كيف يمكن بناء نظام ردع بين كيانات لا تخاف؟ وهل يكون الردع في هذه الحالة اقتصادياً (قطع الوصول إلى البيانات)، أم تقنياً (تعطيل البنية التحتية)، أم قانونياً (تنظيم دولي)؟
إن غياب “القلق الوجودي” عن هذه الكيانات لا يعني غياب التنافس، بل يعني أن آليات الضبط لن تكون نفسية، بل بنيوية، قائمة على توازنات الوصول إلى الموارد الرقمية.
إن من الخطأ تصور الصراع، إن وقع، باعتباره صراعاً مستقلاً عن البشر. فالذكاءات الاصطناعية لا تعمل في فراغ، بل ضمن شبكات تمويل وتشغيل وتشريع يتحكم فيها الذكاء البشري. ومع ذلك، فإن الاعتماد المتزايد على هذه الأنظمة في اتخاذ القرار يخلق وضعاً فريداً؛ فالذكاء البشري يضع الإطار العام، لكن الأنظمة تنفذ وتتعلم وتتفاعل بسرعة تتجاوز القدرة البشرية على المراقبة التفصيلية. وهنا تتشكل مفارقة جديدة: فقد لا يكون الخطر في “تمرد” الذكاءات، بل في توازنها المستقل الذي يجعل التدخل البشري لاحقاً مكلفاً أو معقداً.
إذا كان القرن العشرون قد عرف “توازن الرعب النووي”، فإن القرن الحادي والعشرين قد يتجه نحو نمط مختلف يمكن تسميته بـ “توازن الرعب الخوارزمي”. هذا التوازن لا يقوم على التدمير الشامل، بل على القدرة على تعطيل أنظمة منافسة والتأثير في الرأي العام العالمي وإعادة توجيه الأسواق وسلاسل الإمداد وصياغة بيئات معلوماتية متعارضة. وفي هذا السياق، لا تكون الحرب حدثاً معلناً، بل عملية مستمرة منخفضة الشدة، تجري في طبقات غير مرئية من البنية الرقمية.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن الانتقال من “الذكاء الاصطناعي” إلى “الذكاءات الاصطناعية” ليس تفصيلاً لغوياً، بل تحوّلاً منهجياً يتيح فهم المرحلة الراهنة بوصفها مرحلة تعدد مراكز قوة رقمية. وإذا كان التاريخ قد علمنا أن تعدد مراكز القوة يولد إما توازناً أو صراعاً، فإن التحدي المعاصر يكمن في تصميم أطر حوكمة قادرة على استيعاب هذا التعدد قبل أن يتحول إلى اختلال يصعب ضبطه. فالمسألة في جوهرها ليست تقنية فحسب، بل فلسفية وسياسية قوامها كيف يُعاد تعريف السيادة في عصر لم تعد فيه القوة حكراً على الدولة، بل موزعة بين ذكاءات اصطناعية متعددة؟
