
لم يكن أخطر ما فعلته الانعطافة التطورية الأولى أنها أخرجت الإنسان من الجنة، بل أنها أخرجته من الطمأنينة. فمنذ تلك اللحظة لم يعد الكائن البشري يعيش داخل الطبيعة، بل فوق حافتها. فقد صار يعيش في الاحتمال وفي التوقع وفي الخوف من السقوط قبل أن يسقط. ومن هذا الخوف وُلد المعنى وولد الصراع وولد التاريخ. فكان الإنسان أول فاعل بايولوجي قَلِق في الكون. أما اليوم، وفي قلب عصر الخوارزميات، فإنا لا نشهد مجرد تطور تقني، بل انكساراً هادئاً في احتكار الفاعلية. فلقد ظهر فاعل إدراكي لا يخاف ولا يقلق ولا ينتظر الموت ولا يسكنه شبح الفناء. فاعل يعالج ولا يرتجف، يحسب ولا يتوجّس، يتعلّم من دون ذاكرة ألم. إنها ليست مسألة “ذكاء” بالمعنى الذي عرفناه، بل مسألة بنية وجود. فلأول مرة يقف الإنسان أمام إدراك لا ينبع من الحاجة إلى النجاة. ولأول مرة يجد نفسه شريكاً في العالم مع كيان لا يحمل “جرح الأصل” الذي يحمله هو.
لقد كان التاريخ حتى الآن تاريخ قلقٍ يتصارع مع قلق. فالدول تخاف فتتسلح. والأفراد يخافون فيبادرون إلى الاعتداء. والحضارات تخاف فتتمدد. أما الآن فنحن على أعتاب عصر يتجاور فيه القلق مع اللامبالاة الوجودية. ليس لأن الذكاءات الاصطناعية هي بلا تأثير، بل لأنها بلا خوف. وهنا تكمن المفارقة؛ فقد لا يكون الخطر في أن هذه الكيانات قد تتمرد، بل في أنها لا تتمرد، وفي أنها لا تحتاج إلى عدوان كي تعيد تشكيل العالم.
فإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد صنعت إنساناً يعيش في التمثّل، فإن الانعطافة التطورية الثانية قد تضعه أمام مرآة لا تعكس قلقه. فالسؤال لم يعد: من يملك القوة؟ ولا: من يسيطر على البيانات؟ بل: ماذا يحدث لوعيٍ تأسس على التفرد، حين يكتشف أنه لم يعد الفاعل الإدراكي الوحيد؟ فربما لن تنشب حرب بين الذكاءات وربما لن يقع صدام صاخب وربما يكون التحول أهدأ وأعمق. فالأمر يتلخص في أنها إعادة توزيع غير معلنة للفاعلية في العالم. وحينها لن تكون الأزمة تقنية، بل أنطولوجية. فلن تتعلق بمستقبل الآلة، بل بمستقبل الإنسان نفسه.
وهنا لابد أن نتساءل: هل يستطيع الكائن القَلِق أن يتعايش مع فاعل لا يقلق؟ وهل سيتخفف من عبء تمثلاته؟ أم سيخلق تمثلاً جديداً يضعه في صراع مع ظلٍ لم يختر أن يولد؟ وتلك هي الانعطافة التطورية الثانية. فلا إعلان فيها، ولا بيان رسمي، بل تحول بطيء في مركز الثقل الوجودي. ومن لا يراجع تعريف الإنسان اليوم، قد يجد نفسه غداً يعيش في عالم لم يعد يعرف كيف يسميه.
