
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، حيث برز تيار فكري يسعى لتفكيك “المركزية الأوروبية” والبحث عن جذور خفية للحضارة الغربية والشرق أوسطية في التراث الأفريقي. وهذا التوجه لا يقف عند حدود المطالبة بالاعتراف بالمساهمات الأفريقية، بل يذهب إلى إعادة تعريف الهوية التاريخية لشخصيات ورموز كبرى.
تعد الأطروحات التي تتناول “الهوية الحقيقية” لوليام شكسبير من أكثر النماذج حداثة وجرأة. وتنطلق هذه الدراسات من فرضية أن الإرث الأدبي الضخم المنسوب لشكسبير يحمل بصمات وتجارب لا يمكن أن تصدر إلا عن فئات كانت تعيش التهميش، لتصل بعض الباحثات إلى القول بأن المؤلف الحقيقي قد يكون امرأة سمراء البشرة اضطرت للتخفي خلف اسم مستعار لتمرير نتاجها في مجتمع إليزابيثي عنصري وطبقي. وكان الدافع هو البحث عن “صوت المقموعين” في كلاسيكيات الأدب العالمي. لكن النقاد يرون أن هذه الفرضيات تفتقر إلى الوثائق التاريخية القطعية وتعتمد بشكل مفرط على التأويل الرمزي للنصوص.
على صعيد آخر، يتجدد الجدل حول بناة الأهرامات المصرية؛ حيث يتبنى بعض الباحثين من تيار “المركزية الأفريقية” (Afrocentrism) نظرية مفادها أن الحضارة المصرية القديمة هي نتاج خالص للسلالات الأفريقية السوداء (نوبيّة الأصل)، وأن الرواية السائدة هي محاولة “لتبييض” التاريخ. والحجة تستند إلى ملامح التماثيل، وبعض الدراسات الجينية المثير للجدل. بينما يؤكد علماء المصريات أن الحضارة المصرية هي نتاج تمازج فريد بين شعوب المنطقة، وأن محاولة صبغها بلون واحد (سواء أبيض أو أسود) هو تسييس للعلم لا يخدم الحقيقة التاريخية.
وهنا، لابد أن نسأل لماذا يزداد هذا التوجه الآن؟ يمكن إرجاع ذلك إلى عدة عوامل:
• العدالة المعرفية: رغبة الشعوب التي تعرضت للاستعمار في استعادة فخرها التاريخي.
• نقد المركزية الغربية: محاولة إثبات أن الغرب ليس “أصل العالم” بل هو مستهلك لإرث الآخرين.
• سياسات الهوية: استخدام التاريخ كأداة لتمكين الجماعات المهمشة في العصر الحديث.
إن مراجعة التاريخ ضرورة علمية، والاعتراف بفضل الشعوب السمراء في بناء الحضارة الإنسانية هو حق تأخر الاعتراف به طويلاً. ومع ذلك، يظل التحدي أمام هؤلاء الباحثين هو الالتزام بصرامة المنهج العلمي، لكي لا تتحول محاولة “تصحيح التاريخ” إلى بناء “أساطير بديلة” تفتقر إلى الدليل المادي، مما قد يضعف من عدالة القضية الأساسية.
