
تطرحُ مسألةُ إخراجِ اللهِ تعالى آدمَ وزوجَه من الجنة، من بعد أن تاب عليهما، العديدَ من التساؤلات التي تكفَّل ما جُبِلنا عليه من إيثارٍ للتعجُّلِ على التمهُّل بجعلنا نغضُّ الطرفَ عنها، وذلك على الرغم من أنَّ هذه التساؤلات تكتسب شرعيتَها من قيامِنا بتدبُّرِ آياتِ القرآن كما أُمِرنا: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص).
فمسألةُ توبةِ اللهِ تعالى على آدمَ وزوجِه قد تطرَّق إليها القرآنُ، فذكرها صراحة: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (من 121- 122 طه). وهذا هو عين ما يتبيَّن لنا بتدبُّرِ (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (37 البقرة).
وبناء على ما تقدم، فإنه ليس ترفاً فكرياً، ولا تطلعاً إلى جدالٍ عقيم، أن يتساءل المرء عن العلةِ التي حتَّمت وجوبَ أن يُخرَجَ آدمُ وزوجُه من الجنة. وهنا لابد وأن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ اللهَ تعالى قد وصف نفسَه بأنه “خيرُ الماكرين”: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (من 30 الأنفال)، وأنه تعالى أسرعُ مكراً من كلِّ ذي مكر: (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) (من 21 يونس)، وأنه شديدُ المِحال: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) (من 13 الرعد).
فما الذي حدث إذاً فجعل آدمَ وزوجَه ليسا أهلاً للبقاءِ في الجنة، فتعيَّنَ عليهما بذلك أن يخرجا منها؟
لعل الإجابةَ على هذا السؤال أن تكونَ فيما حدث بعد ذلك من هبوطٍ إلى الأرض التي أنبأهما اللهُ تعالى بأن ذريتَهما سيحيون فيها بعضهم لبعضٍ عدو (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف). أفلا يوجب علينا هذا التسلسل المنطقي للأحداث، كما سرده اللهُ تعالى لنا في قرآنِه العظيم، أن نخلصَ إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ هذا الإخراج من الجنة، وما تبعه من هبوطٍ إلى الأرض، كان موصولاً بالعلةِ التي سببت تحرُّكَ الأحداث في هذا الاتجاه؛ هذه العلةُ التي لا مناص لنا من وصلِها بما حدث لآدمَ وزوجِه بعد أكلِهما من الشجرة. فقد كان آدمُ وزوجُه قبل تلك الأكلة يعيشان في الجنة بإجازةٍ من اللهِ تعالى لهما وليس لأحدٍ آخر سواهما كأن يكون ذريتَهما: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (19 الأعراف).
