مجلة “المعرفة”… حين كانت “الأهرام” منارة لصناعة العقل والخيال العربي

في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن مؤسسة الأهرام مجرد جريدة يومية، بل كانت “جامعة شعبية” ومختبراً لصناعة الوعي. ومن بين أبهى تجليات هذا الدور الرائد، برزت مجلة “المعرفة”؛ تلك الموسوعة الدورية التي لم تكن مجرد صفحات مطبوعة، بل كانت نافذة سحرية أطلّ منها جيل السبعينيات من الناشئة والشباب على كنوز العلم والفن والتاريخ العالمي. ولا يمكن الحديث عن إصدارات الأهرام النوعية دون العودة إلى الجذور؛ إلى الرؤية المؤسسية التي وضع أسسها الأستاذ محمد حسنين هيكل. فلولا عبقرية “الأستاذ” التنظيمية وطموحه الذي لا يحده سقف، لما تحولت الأهرام من صحيفة إلى “مؤسسة دولية” قادرة على مضاهاة كبريات دور النشر العالمية.
لقد آمن هيكل بأن الصحافة رسالة تثقيفية شاملة، فأنشأ مراكز الدراسات، واستقطب كبار المفكرين، ووضع البنية التحتية والمطابع المتطورة التي سمحت لاحقاً بإصدار مجلات ملونة وفائقة الجودة مثل “المعرفة”. كانت رؤيته تقضي بأن يكون المواطن العربي “معاصراً” ومسلحاً بالمعرفة العالمية، وهو ما تجسد في استعارة أرقى المحتويات العالمية (مثل موسوعة Tout l’Univers الفرنسية) وتقديمها بلسان عربي مبين.
لم تكن الكلمة هي المفتاح الوحيد لقلوب الشباب آنذاك، بل كان “الإبهار البصري” هو المغناطيس الحقيقي. ففي زمن كانت فيه الصور الملونة والطباعة الفاخرة عملة نادرة، قدمت “المعرفة” تجربة حسية غير مسبوقة في الوطن العربي؛ حيث أنها تميزت برسومات توضيحية (Illustrations) بالغة الدقة والجمال، كانت تنقل القارئ الشاب من غرف القراءة إلى أعماق المحيطات، أو داخل خلايا الجسم البشري، أو إلى قلب المعارك التاريخية الكبرى. فتلك اللوحات الملونة لم تكن مجرد “شرح” للنص، بل كانت وقوداً للخيال. لقد علّمت الناشئة كيف “يرون” العلم والجمال معاً، مما خلق ارتباطاً عاطفياً بالمجلة؛ فكان الشاب ينتظر العدد الجديد ليس ليقرأه فحسب، بل “ليشاهده” ويتأمل في تفاصيل لوحاته التي كانت تضاهي في جودتها أعظم الموسوعات الغربية. كما أن جودة الورق ورائحة الحبر الملون خلقت طقساً خاصاً للتعامل مع “المعرفة”، حيث كانت تُجمع بعناية في مجلدات فاخرة، لتتحول من مجلة دورية إلى “تحفة فنية” تتصدر مكتبات المنازل وتورّث من الأخ الأكبر للأصغر.
لقد جاءت مجلة “المعرفة” لتردم الفجوة بين الكتاب الأكاديمي الجاف وبين القارئ الشاب التواق. لقد اضطلعت مؤسسة الأهرام بدور “المربي الصامت”، حيث علّمت هذا الجيل أن المعرفة “متعة” وليست مجرد “منهج دراسي”، وأن الانفتاح على الثقافة الإنسانية هو السبيل الوحيد لنهضة حقيقية.
إن توقف مجلة “المعرفة” عن الصدور لم ينهِ أثرها؛ فهي لا تزال تسكن في وجدان المثقفين الذين تشكل وعيهم الأول وحسهم الفني بين صفحاتها الملونة. إنها شهادة حية على حقبة كانت فيها المؤسسات الصحفية العربية تقود معارك التنوير، وعلى دور الأستاذ هيكل الذي جعل من مؤسسة “الأهرام” صرحاً قادراً على احتضان مثل هذه المشروعات الكبرى التي صاغت عقول وأذواق أجيال بأكملها.

أضف تعليق