
لم تكن أكبر أوهام الحداثة العلمية أنها أخطأت في تفسير بعض الظواهر، بل أنها افترضت، دون مساءلة جذرية، أن العقل البشري مرآةٌ تعكس العالم كما هو. ومنذ ديكارت وحتى الفيزياء المعاصرة، ظلّ السؤال يدور حول: هل تمثيلنا للواقع دقيق أم ناقص؟ لكن السؤال الأعمق لم يُطرح بما يكفي: ماذا لو لم يكن العقل جهاز تمثل أصلاً؟ لقد تشكّل العقل في سياق تطوري لا علاقة له بالحقيقة المطلقة، بل بالبقاء. لم يتطوّر الدماغ ليكشف البنية النهائية للعالم، بل ليُمكّن الكائن من النجاة داخله. فالإدراك ليس نافذة شفافة على الوجود، بل واجهة تشغيل (Interface) تبسّط العالم إلى الحد الأدنى الضروري للاستمرار. فما نراه هو ليس الواقع في ذاته، بل صيغة مختزلة صالحة للاستعمال الحيوي. فالفيزياء الحديثة نفسها تفضح هذا الوهم. فحين تنهار مفاهيم الزمان والمكان في النسبية، وحين تتفكك الحتمية في ميكانيكا الكم، فإن ما يتزعزع ليس الواقع، بل صورتنا عنه. فالمفارقات الكمية، على سبيل المثال، ليست دليلاً على “غرابة الكون”، بل هي دليل على حدود البنية الإدراكية التي نحاول فرضها عليه. فنحن نصطدم بحدود نموذجنا، وليس بحدود الوجود.
ويصح الأمر ذاته في البايولوجيا. فنحن نفسّر الحياة بأدوات هي نتاج الحياة نفسها. فما نحن إلا كائنات داخل النظام نحاول فهم النظام الذي أخرجنا. وهذا يفتح احتمالاً أكثر راديكالية من مجرد الخطأ التجريبي، هو احتمال الخطأ البنيوي. أي أن بنيتنا الإدراكية قد تكون غير مصمَّمة لفهم البنية العميقة للواقع، بل لإنتاج عالم بمقدورنا أن نتعامل معرفياً معه.
إن العلم، في ضوء هذا التصور، لا يقترب من “الحقيقة المطلقة”، بل يبني نماذج أكثر فاعلية. فالنظرية لا تنجح لأنها تطابق الواقع، بل لأنها تعمل. وبالتالي يصبح الفرق جد هائل بين المطابقة والفعالية. فنحن لا نمتلك الكون نظريًا، بل ندير علاقتنا به عمليًا. وهنا تسقط صورة “العقل الممثل للواقع” لتحل محلها صورة أخرى تتمثل في كون العقل ليس مرآة، بل أداة تنظيم. وليس كاشفًا للحقيقة النهائية، بل مُنشئًا لنماذج قابلة للاستمرار. وهذا لا يقود إلى العدمية، بل إلى “تواضع أنطولوجي”. فالحقيقة قد تكون أوسع من قدرة أي بنية بايولوجية على احتوائها. وربما تكون كل حضارة وكل علم وكل فلسفة، مجرد طورٍ في سلسلة محاولات لإنتاج خرائط قابلة للاستعمال، لا صور مطابقة للأرض.
إن السؤال لم يعد: “ماذا لو كنا قد فهمنا كل شيء خطأ؟” بل صار: “ماذا لو كان مفهوم الفهم ذاته مبنيًا على افتراض غير صحيح؟” وحينها، لا نكون أمام أزمة علم، بل أمام انعطافة في معنى المعرفة نفسها.
