1988 … خريف الإمبراطوريات وبذور “السيولة” العالمية

لا يمكن قراءة التاريخ الحديث بوصفه تسلسلاً خطياً من الأحداث، بل بوصفه نقاط تحول كبرى تعيد رسم الخرائط الذهنية قبل الجغرافية. وإذا كان عام 1985 عاماً للتأهب، وعام 2016 عاماً لتمرد الشعبوية الرقمية، فإن عام 1988 يقف وحيداً كبوابة زمنية غريبة؛ فهو العام الذي أعلن رسمياً “خريف” عهود قديمة، وغرس بذور “ربيع” تقني وجيوسياسي لم تتفتح أوراقه إلا بعد عقود. ففي عام 1988، بدأت الحقبة التي دامت عقوداً في التآكل. لم يكن سقوط جدار برلين في عام 1989 إلا النتيجة الحتمية لما حدث في عام 1988؛ حيث بدأ الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، معلناً نهاية أسطورة التوسع الإيديولوجي الصلب. وفي منطقتنا، وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها بعد ثماني سنوات من الاستنزاف، لتنهي فصلاً دموياً وتبدأ فصلاً من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية التي أدت لاحقاً إلى أحداث عام 1990 وما تبعها من زلازل سياسية امتدت آثارها إلى غزو العراق في عام 2003 وما بعده.
إن ما يميز عام 1988 ليس فقط ما انتهى فيه، بل تلك الأجنة التي ولدت في صمت ولم تؤتِ ثمارها إلا في الألفية الجديدة، ومنها:
1. عصر السيادة الرقمية: في هذا العام، تم ربط أول كابل ألياف ضوئية عبر المحيط الأطلسي (TAT-8) .كان هذا “الحدث التقني” هو البنية التحتية الحقيقية لثورة الإنترنت التي نعيشها اليوم. فلولا تلك الخطوة في عام 1988، لما شهدنا “انفجار” التواصل الاجتماعي في العقد الأول من الألفية، ولما أصبح العالم قرية صغيرة تعاني من “فرط الاتصال”.
2. دودة موريس (Morris Worm) :شهد عام 1988 أول هجوم فيروسي واسع النطاق على شبكة الحاسوب. لقد كانت تلك صرخة الميلاد لما نعرفه اليوم بـ “الأمن السيبراني” و”حروب المعلومات”، وهي الصراعات التي لم تصبح “سلاحاً استراتيجياً” يحرك الانتخابات ويغير مصائر الدول إلا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (مثل أحداث عام 2016 وما تلاها).
لا تكتمل صورة عام 1988 دون التوقف عند الحدث الثقافي الأبرز والمتمثل بفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب. فلم يكن هذا مجرد تكريم لكاتب، بل كان “انفجاراً” لغوياً ومعرفياً. فلأول مرة، تخرج الجائزة من حيز اللغات الهندوأوروبية إلى رحاب اللغة العربية بمضامينها المحلية العميقة. كان هذا الحدث بذرة لتيار “ما بعد الاستعمار” في الأدب، حيث بدأ القارئ العالمي يرى الحارة المصرية كمركز للعالم. وهذه “العالمية” التي بدأت في عام 1988 هي التي مهدت الطريق لاحقاً، في العقدين الأول والثاني من الألفية، لظهور جيل جديد من الكتاب العرب الذين استطاعوا مخاطبة العالم بلغتهم الخاصة، محطمين الحواجز المركزية التي سادت القرن العشرين.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن عام 1988 يمثل نموذجاً لما يمكن تسميته بـ “التاريخ الكامن”. فهو العام الذي قرر فيه العالم أن يتوقف عن التنفس بالرئتين القديمتين (الحرب الباردة والتوازن الثنائي والانعزال التقني)، وبدأ في استنشاق هواء جديد، غريب ومضطرب. فنحن اليوم، في العقد الثالث من الألفية، لا نزال نعيش في “أصداء” تلك الصرخات التي ولدت في عام 1988، سواء في تشابكنا الرقمي، أو في صراعاتنا الجيوسياسية التي أخذت نواتها الأولى من ذلك العام الفريد.

أضف تعليق