أمريكا بين “المدينة الفاضلة” وتغول “المجمع الصناعي- العسكري”… تحذير من التاريخ

لا يمكن قراءة التاريخ الأمريكي كخط مستقيم من التقدم، بل هو صراع تراجيدي بين “الحلم” وبين “الواقع” الذي غالباً ما نكث بوعوده. فالسنوات الممتدة بين عام 1938 وعام 1951 لم تكن مجرد حقبة عابرة، بل كانت الزلزال الذي خلخل الأسس التي قامت عليها الجمهورية؛ حيث أنها كانت سنوات “الالتباس العالمي” التي شهدت ولادة أمريكا أخرى؛ أمريكا التي بدأت تتخلى عن ثوب “الآباء المؤسسين” لترتدي حُلة “الإمبراطورية” المثقلة بالهواجس الأمنية.
فحين وضع توماس جيفرسون وجيمس ماديسون لبنات الدولة، كانت رؤيتهم تقترب من “المدينة الفاضلة” التي تحرس الحريات الفردية وتخشى من تغول السلطة المركزية. لكن تلك السنوات (1938-1951) شهدت تناقضاً صارخاً مع هذه المبادئ. وهذا ما بإمكاننا أن نتبينه بتدبر بعض الملامح الرئيسة لتلك الحقبة الكارثية، وذلك كما يلي:
• عسكرة السياسة: تحولت الدولة من حارس للحريات إلى آلة حرب ضخمة، حيث بدأ القرار ينتقل من قاعات الكونغرس إلى غرف العمليات المغلقة.
• قمع الداخل: إذ لم يكن “السيناتور مكارثي” الذي ظهر في نهاية تلك الحقبة سوى صدىً لطغاة التاريخ القدامى، حيث أصبح التفتيش في الضمائر والولاءات هو المعيار، وذلك على نقيضٍ تام مع مبدأ حرية التعبير الذي قدسه المؤسسون.
ففي خطاب وداعه الشهير، لم يكن الرئيس دوايت آيزنهاور (رئيس أمريكا السابق) يتحدث من فراغ، بل كان يقرأ مآلات تلك السنوات الكارثية. فلقد حذر بمرارة من مستقبل مرعب تكون فيه السطوة بيد “المجمع الصناعي-العسكري”. فكانت صرخته تحذيراً من ضياع “الديمقراطية” على يد “حفنة من الرجال” الذين تتقاطع مصالحهم المالية مع آلة الحرب، ليتحول “الحلم الأمريكي” إلى مجرد غطاء لسياسات توسعية وأوامر تنفيذية تخدم النخبة الحاكمة لا الشعب. فلكأن الرئيس آيزنهاور نجح في تشخيص الوحش الكامن داخل الماكنة الصناعية-العسكرية الأمريكية وبيَّن ما يمثله ذلك من خطر محدق بمستقبل أمريكا.
إن الحديث عن تلك السنوات ليس استغراقاً في الماضي، بل هو “ناقوس خطر” للمستقبل. فها هي الأيام قد كَرَّت كَرَّتها، ونحن نشهد اليوم صعوداً لسياسات تعتمد على الأوامر التنفيذية التي تضرب عرض الحائط بالروح الدستورية، لتشكل أساساً لأمريكا “هجينة”؛ أمريكا التي لا تشبه أحلام من طمحوا لبناء منارة للحرية، بل تشبه الأنظمة الشمولية التي لطالما ادعت محاربتها. إن المستقبل الذي نخشاه ليس قدراً محتوماً، بل هو نسخة بشعة من ماضٍ لم نستوعب دروسه جيداً.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المكارثية ليست مجرد اسم لسناتور رحل، بل هي “عقلية” قابلة للانبعاث كلما طغت المصالح الضيقة على المبادئ والمثل العليا. فالتخلي عن المُثل العليا مقابل “الأمن المتوهم” أو “السطوة العسكرية” هو الثقب الأسود الذي قد يبتلع أمريكا الحلم. إننا نحذر من تلك الأيام الكارثية، ليس لأنها ولت، بل لأنها أصبحت اليوم أكثر “قوة وقدرة” على العودة، مدعومةً بتقنيات ورقابة تجعل من استبداد الماضي يبدو باهتًا أمام ما هو قادم. إن الخيار اليوم يقع بين العودة إلى روح “المدينة الفاضلة” القائمة على العدل والشفافية، أو الاستسلام لنفوذ المجمع الصناعي-العسكري الذي يجر العالم نحو مستقبل مجهول الملامح، منزوع الروح.

أضف تعليق