
في السنوات الأخيرة، برز تيار فكري داخل بعض دوائر الفلسفة الاجتماعية وعلم الاجتماع التاريخي يسعى إلى إعادة النظر في الأصول الحضارية لما يُسمّى بالتراث الغربي والشرق أوسطي. ولم يعد النقاش مقتصراً على الاعتراف بإسهامات الحضارات الإفريقية القديمة في تشكيل العالم القديم، بل تجاوز ذلك إلى محاولات لإعادة نسبة رموز مركزية في الثقافة الغربية إلى أصول إفريقية أو إلى هويات مهمَّشة تاريخياً.
من بين أكثر الأمثلة إثارة للجدل، كتابٌ صدر عن باحثة أكاديمية مرموقة تناول ما سمّته “الهوية الحقيقية لشكسبير”، حيث ذهبت إلى فرضية مفادها أن كاتب الأعمال المنسوبة إلى William Shakespeare لم يكن الرجل المعروف في ستراتفورد، بل امرأة سوداء البشرة قامت بتأليف تلك الأعمال في سياق إخفاء قسري لهويتها. وعلى خطٍّ موازٍ، تتكرر محاولات في بعض الأوساط لإثبات أن الأفارقة هم الذين شيّدوا أهرامات الجيزة، في إعادة قراءة جذرية للسردية المصرية القديمة.
وهذه الأطروحات، بغضّ النظر عن درجة تماسكها وفقاً للأدلة التاريخية، لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها الأوسع.
منذ منتصف القرن العشرين، تصاعد نقد ما يُعرف بـ”المركزية الأوروبية”، أي النزعة التي تُرجع أغلب منجزات الحداثة إلى أصل أوروبي خالص، متجاهلة التأثيرات المتبادلة بين حضارات البحر المتوسط وإفريقيا والشرق الأدنى.
وقد أسهم مفكرون مثل فرانتز فانون Frantz Fanon في كشف البعد النفسي العميق للاستعمار، ليس بوصفه احتلالاً جغرافياً فقط، بل بوصفه إعادة تشكيل للوعي والذاكرة. كما قدّم إدوارد سعيد نقداً إبستمولوجياً لما سمّاه “الاستشراق”، أي صناعة صورة معرفية عن الشرق تخدم تمركز الغرب حول ذاته. وفي هذا السياق، يصبح الاهتمام بإبراز الجذور الإفريقية للتراث العالمي فعلاً من أفعال “استعادة الاعتبار” وليس مجرد بحث تاريخي محض.
غير أن ما نشهده اليوم في بعض الحالات يتجاوز الاستعادة النقدية إلى ما يمكن تسميته “إعادة توزيع رأس المال الرمزي”. فالرموز الثقافية الكبرى، كشخصية شكسبير مثلاً، ليست مجرد أسماء في كتب الأدب، بل هي نقاط ارتكاز في الهوية الحضارية الغربية. ومن ثم فإن إعادة نسبتها إلى هوية سوداء أو مهمّشة لا تعني مجرد تصحيح تاريخي، بل تعني زحزحة مركز القوة الرمزية. فمن منظور علم الاجتماع الرمزي، الهوية ليست فقط “ما كان”، بل “ما نحتاج أن يكون”. وحين تعاني جماعة ما من تاريخ طويل من الإقصاء، قد يتحول التاريخ ذاته إلى ساحة صراع لإعادة التوازن النفسي والثقافي.
وهنا تظهر الإشكالية الفلسفية الدقيقة: هل نحن أمام مراجعات تاريخية تستند إلى أدلة جديدة؟ أم أمام ما يمكن تسميته “تمثيلاً تعويضياً” يعيد كتابة الماضي لتعويض جراح الحاضر؟
إن التاريخ بوصفه علماً يقوم على الوثائق والنقوش والتحليل المقارن، لا يمكن أن يخضع بالكامل للاحتياج الهوياتي. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن كتابة التاريخ نفسها لم تكن يوماً بريئة من الخضوع للسلطة.
إن الخط الفاصل الدقيق يكمن في المنهج؛ فإذا كان الهدف هو كشف مساهمات مهملة فعلاً، فذلك إثراء معرفي مشروع، أما إذا تحوّل الأمر إلى إعادة بناء سردية بلا سند وثائقي كافٍ، فإنه يدخل في حقل “الأسطرة المضادة”.
وبإمكاننا أن نسوق مثالاً على ذلك يتجلى في هوية بُناة الأهرامات. فالحضارة المصرية القديمة هي حضارة إفريقية جغرافياً بلا شك، لكنها أيضاً نتاج تفاعل مع فضاء متوسطي أوسع. إن تحويل هذا الإرث إلى ملكية إثنية صِرفة، أياً كان الطرف، يعكس نزعة حديثة لإعادة تأطير الماضي ضمن مفاهيم الهوية المعاصرة. فالتاريخ القديم لم يكن يعرف التصنيفات العرقية الحديثة بالطريقة التي نفهمها اليوم. وإسقاط هذه التصنيفات بأثر رجعي يحمل مخاطر منهجية جسيمة.
ولكن، ما الذي يحدث فعلاً من وراء الكواليس؟ إن ما يحدث ليس مجرد جدل حول شكسبير أو الأهرامات. إنه تعبير عن تحوّل أعمق في الوعي العالمي، يتجلى في:
1. تراجع الثقة بالسرديات الكبرى الأحادية.
2. صعود سياسات الهوية.
3. انتقال المعركة من المجال السياسي إلى المجال الرمزي.
4. إدراك متأخر بأن الذاكرة الجماعية هي جزء من القوة.
وبعبارة فلسفية، فإن الصراع لم يعد على الأرض فقط، بل على المعنى.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الاعتراف بإسهامات الحضارات الإفريقية في تشكيل العالم القديم ضرورة معرفية وأخلاقية. غير أن العدالة الرمزية لا ينبغي أن تتحقق على حساب المنهج التاريخي. فالتاريخ ليس ملكاً للأقوى، لكنه أيضاً ليس أداة تعويض نفسي. فالمطلوب إذاً هو ليس استبدال مركزية بأخرى، بل تجاوز منطق المركزية نفسه. وربما يكون السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الظاهرة هو التالي: هل نحن نبحث عن الحقيقة حقاً؟ أم أننا نبحث عن صورةٍ لأنفسنا داخل الماضي؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الفلسفة والدعاية.
