
سادت في الوعي الجمعي المعاصر مقولة استكانت لها العقول، مفادها أن “زمان المعجزات قد ولى”. وهذا الحصر الزماني للمعجزة ليس مجرد استنتاج قائم على الظن، بل هو في جوهره انعكاس لعملية “نزع مفهوم الحرية المطلقة بالعبودية الحقة لله” التي فرضتها الحداثة المادية، وذلك لإحكام قبضة القوانين الطبيعية الصارمة على عالم الإنسان. لكن، عند الفحص النقدي للمصادر التأسيسية وللتجربة الروحية المستمرة، نجد أن هذا “الانقطاع” لا أصل له، لا في النص ولا في الواقع.
إن القراءة المتفحصة للكتب الدينية التأسيسية (القرآن الكريم، العهد القديم، والعهد الجديد) لا تظهر نصاً واحداً يصرح صراحةً بانتهاء عصر خوارق العادات. بل على العكس، نجد في النص القرآني تشديداً على حقيقة مفادها أن الله تعالى “يفعل ما يريد” في كل آن، وفي العهد الجديد نجد وعداً بأن “من يؤمن بي، فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً”. إن حصر المعجزة في زمن الأنبياء هو “تأويل إقصائي” لم يقل به الدين، بل ابتدعته العقلانية الضيقة التي تحاول مأسسة المقدس وحصره في سردية تاريخية منتهية.
إن الخوارق لم تنقطع يوماً، بل تغيرت أسماؤها باختلاف السياقات الروحية. فما كان يُسمى “معجزة” للأنبياء، استمر في التجربة الصوفية تحت مسمى “كرامات الأولياء”، وفي التقليد المسيحي عبر “معجزات القديسين”. فالسادة الصوفية، عبر التاريخ، لم يروا في “الكرامة” خروجاً عن السنن الإلهية، بل رؤوا فيها “خرقاً للعادة” لبيان حرية الإرادة الإلهية أمام حتمية المادة. وهذا التدفق الروحي هو شهادة حية على أن الوجود ليس آلة صماء، بل هو كيان مرن يستجيب لفيوضات العبودية الحقة لله تعالى.
يبرز في هذا السياق اسم الراهب البلجيكي سويتبرت مولينغر (Suitbert Mollinger) كأحد أهم المحاربين ضد فكرة “انتهاء زمن المعجزات”. فـ “مولينغر”، الذي جمع بين الطب والكهنوت، لم يكتفِ بالوعظ، بل جسد رؤيته في مدينة بيتسبورك الأمريكية عبر تشييد “مصلى القديس أنطونيوس” (St. Anthony’s Chapel)، وهو “معبد-متحف” يضم اليوم أكبر مجموعة من الذخائر خارج الفاتيكان.
لم يكن مشروع مولينغر مجرد تراكم للمقتنيات، بل كان “بياناً معرفياً” يثبت بالدليل المادي والشهادات الحية أن الشفاء الإعجازي والخرق الوجودي هما حدثان يوميان. فقد كان مولينغر يؤمن بأن “المعجزة” هي استعادة للحالة الإنسانية الأصيلة قبل سقوطها في أسر المادة، وأن المعبد في بيتسبورك هو نقطة تماس بين “الهشاشة البشرية” والقدرة الإلهية المطلقة التي لا تحدها عصور.
إن مولينغر لم يكن وحيداً؛ فقد ذهب فلاسفة مثل هنري برجسون في حديثه عن “الدفعة الحيوية” وويليام جيمس في دراسته لـ “تنوع التجربة الدينية” إلى التشديد على أن الواقع أوسع بكثير من إطاره المادي. كما نجد في كتابات رهبان وقسيسين معاصرين تشديداً على أن “المعجزة” هي ضرورة أنطولوجية؛ فبدونها يصبح الإنسان مقيداً بحتمية بايولوجية صلبة. هؤلاء المفكرون يجادلون بأن إنكار المعجزة هو إنكار للجانب المتسامي في الإنسان؛ ذلك الجانب الذي يربطنا بـ “الغيب” الذي لا يشيخ ولا ينتهي زمانه.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن الدعوة لتحرير المعجزات من سياقها التقليدي هي دعوة لاستعادة “الدهشة” وإعادة الاعتبار لفقرنا الوجودي أمام الغنى الإلهي. إن زمن المعجزات لم ينتهِ، لأن الله تعالى لم يفارق جلالُه هذا الوجود، ولأن العبودية المطلقة له لا تزال قادرة بإذنه على كسر قيود العادة. وهنا لابد من أن نستذكر مقولة العارف بالله سيدي ابن عطاء الله السكندري: “أتريد أن تُخرق لك العوائد وأنت ما خرقت من نفسك العوائد؟” فخرق العوائد لا يتأتى إلا من بعد أن يخرق العبد من نفسه العوائد، وذلك بعبوديته المطلقة لله تعالى. إن مقولة “ولى زمان المعجزات” هي مقولةٌ “تستعمر الوعي”، وتحرير وعينا منها هو الخطوة الأولى نحو بناء مشروع معرفي يرى في الإنسان كائناً “فائقاً للعادة”، بعبوديته المطلقة لله، لا مجرد رقم في معادلة مادية.
