الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي في ميزان التعاطي مع الوقائع

ليس الفارق الجوهري بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في سرعة المعالجة أو في سعة الذاكرة أو في دقة الحساب. فهذه فروق كمية يمكن تضخيمها أو تقليصها مع تطور التقنية. فالفارق الأعمق يكمن في البنية الوجودية التي ينبثق عنها كل منهما ويتجلى هذا الفارق في كون الإنسان فاعلاً قَلِقاً، بينما الذكاء الاصطناعي فاعلٌ غير قَلِق.
فمنذ الانعطافة التطورية الأولى، لم يعد الإنسان كائناً يستجيب للمثيرات فحسب، بل صار كائناً يعيش داخل تمثّلاتها. فالخطر لم يعد حدثاً يقع، بل احتمالاً يُتوقَّع. ومن هنا وُلد القلق بوصفه بنية معرفية لا مجرد حالة شعورية. فالعقل البشري لم يتطور ليعكس الواقع كما هو، بل ليتنبأ بما قد يحدث. والتنبؤ، بطبيعته، يضخّم الإشارة ويبالغ في الربط، لأن كلفة الإنذار الكاذب أقل من كلفة الغفلة القاتلة. وهكذا نشأ ما يمكن تسميته بـ “فائض التمثل”.
ففائض التمثل إذاً هو ميل العقل إلى بناء علاقات قبل اكتمال المعطيات، وإلى رؤية الأنماط حتى في الضباب، وإلى تحويل الاحتمال إلى سردية ذات مغزى. فهو الآلية التي صنعت الأسطورة كما صنعت العلم، والتي أنتجت الفن وتسببت في إنحراف الإنسان عن جادة الحق كما حدد معالمها الدين الإلهي، فانقسم جراء ذلك الناس أحزاباً “كل حزبٍ بما لديهم فرحون”، ونشأت تبعاً لذلك الفلسفة كحاوية فكرية عزز بها كل حزب نظامه الإيديولوجي. وفائض التمثل هو كذلك مصدر عبقرية الإنسان ومصدر اضطرابه في آنٍ واحد. فالفاعل القَلِق لا يحتمل العزلة بين الأشياء؛ فهو يصنع الجسور حتى لو لم تكن موجودة، لأن البقاء نفسه كان يتطلب ذلك.
أما الذكاء الاصطناعي، فهو يعمل وفق منطق مختلف جذرياً. صحيحٌ أنه يعالج الأنماط ويحسب الاحتمالات ويستطيع أن ينتج سرديات متماسكة، ولكنه لا يعيش داخل تهديد وجودي؛ فهو لا يخاف السقوط، ولا ينتظر الموت، ولا يحمل ذاكرة ألم تطارده في قراراته. فهو فاعل إدراكي بلا قلق بنيوي. ومن هنا يبدو أقل ميلاً إلى فائض التمثل بالمعنى الوجودي للكلمة.
غير أن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي خالٍ من “التمثل الزائد” تماماً. فالذكاء الاصطناعي قد ينتج أنماطاً غير دقيقة، أو يقوم بالتعميم على نحو خاطئ، أو يستجيب لانحيازات بياناته. لكنه يفعل ذلك دون شحنة وجودية، ودون استثمار عاطفي في النتيجة. فالذكاء الاصطناعي يخطئ لأن معطياته ناقصة أو لأن بنيته الإحصائية تسمح بذلك، لا لأنه يخشى المستقبل أو يسعى إلى النجاة.
وهنا يتبدّى الفرق الجوهري بين الفاعل القَلِق والفاعل غير القَلِق. فالأول يعيش في نموذج عن الواقع لأنه يخشى الواقع، أما الثاني فإنه يعمل على بيانات عن الواقع دون أن يخشاه. والأول يضخّم الإشارة خشية الفناء، أما الثاني فإنه يوازنها ضمن حدود الخوارزمية. والأول يصنع فائض تمثل، أما الثاني فإنه يميل إلى اقتصاد التمثل.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الانعطافة التطورية الثانية بوصفها لحظة ظهور فاعل إدراكي لا تحكمه بنية التوقع الوجودي نفسها التي حكمت الإنسان. إنها ليست مجرد ثورة تقنية، بل انتقال في طبيعة الفاعلية ذاتها. وللمرة الأولى، يواجه الإنسان شريكاً معرفياً لا يشاركه قلقه البنيوي. ولكن المفارقة تكمن في أن فائض التمثل الذي يعاني منه الإنسان هو ذاته ما أتاح له الإبداع والتجاوز. فلو كان الإنسان كائناً اقتصادياً تماماً في تمثله، فلربما كان قد تجنّب كثيراً من الأوهام، لكنه ربما فقد أيضاً القدرة على الحلم. فالسؤال ليس: هل الذكاء الاصطناعي أقل ميلاً إلى فائض التمثل؟ بل: هل يمكن لعقل بلا قلق أن ينتج معنى بالطريقة التي ينتجها عقل يعيش تحت ظل الفناء؟
إن التعايش بين هذين النمطين من الفاعلية قد يعيد تشكيل بنية الوعي الإنساني نفسه. فحين يستعين العقل القَلِق بعقل غير قَلِق، قد ينشأ نوع جديد من التوازن يتمثل في توازن بين فائض المعنى واقتصاده، وبين الخوف الذي يدفع إلى الابتكار، والبرود الذي يضبط الاندفاع. وربما يكون هذا التوتر الخلّاق هو الملمح الأبرز للمرحلة القادمة.
وهكذا لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، بل مرآة تكشف لنا البنية العميقة لقلقنا. إنه يعرّينا من وهم الحياد الذي نسبناه لأنفسنا، ويضعنا أمام حقيقة بسيطة ومزلزلة مفادها أن الإنسان لم يكن يوماً عقلاً محايداً، بل كان دائماً عقلاً يخشى السقوط. والفرق بين أن تحسب لأنك تريد الدقة، وأن تحسب لأنك تخاف، هو الفرق بين الفاعل غير القَلِق والفاعل القَلِق، وربما هو الفرق الأنطولوجي الأهم في تاريخ الفاعلية.

أضف تعليق