تصوراتنا المستقبلية… مقاربة ميتابايولوجية

أين تكمن المشكلة في تصوراتنا للمستقبل؟ تكمن هذه المشكلة فينا وليس في المستقبل. فوفقاً للقراءة الميتابايولوجية للظاهرة الإنسانية، فإن الانعطافة التطورية الأولى لم تكن مجرد انتقال من الجنة إلى الأرض، بل انتقالاً من الاستجابة المباشرة إلى العيش داخل منظومة “تمثّلية” صنعتها مخاوفنا وهواجسنا وتطلعاتنا وافتراضاتنا المسبقة. فمنذ تلك اللحظة التي أكل فيها الإنسان من الشجرة التي نهاه الله عنها، لم يعد الإنسان يعيش في الواقع، بل في نموذج عن الواقع. وهنا مكمن الخطر. فالحيوان يهرب من الخطر حين يراه، أما الإنسان فإنه يخاف من خطرٍ لم يحدث بعد. وهذا الفارق هو الذي صنع التاريخ.
إن الميتابايولوجيا تفترض أن الإنسان كائن يعيش في “فائض تمثلي”. أي أن عقله لا يكتفي بقراءة الواقع، بل يعيد إنتاجه ويضخّمه ويحمّله احتمالات ويؤدلجه وفقاً لإفتراضات مسبقة تفرضها منظومة يختلط فيها ما تأتى له أن يحيط به من الوقائع والأحداث وما وقر لديه من تصورات سابقة. فالمستقبل الذي نخشاه إذاً هو ليس حدثاً قادماً، بل هو صورة ذهنية مركبة من ذكريات غير محسومة وصدمات غير مفكَّكة وسرديات لم تتم مراجعتها وخوفٍ من تكرار الألم. وهكذا يتحول الماضي من تجربة إلى بنية قلق. فالإنسان لا يعيد الماضي لأنه ينساه، بل لأنه لم يُعِد تمثله بطريقة صحيحة.
حين يقول بعض الفلاسفة إن التاريخ يعيد نفسه، فإن القراءة الميتابايولوجية تضيف طبقة أكثر عمقاً. فالتاريخ لا يعيد نفسه موضوعياً، بل نحن نعيد تمثله إدراكياً. فالتمثلات القديمة، القومية والدينية والهوياتية والإيديولوجية، تبقى كامنة في الجهاز الرمزي الجمعي. وعندما يظهر ظرف جديد، فإننا لا نستجيب له ببراءة، بل عبر قوالب قديمة. وبهذا المعنى، فإن المستقبل ليس قدراً، بل إسقاطاً. وكل إسقاط هو عجز عن إنتاج تمثيل جديد. ولكن، لماذا تبدو النسخة المُحدَّثة بالتمثل “أكثر بشاعة” من الأصل؟ الجواب هو: لأن كل جيل يملك أدوات أقوى من الجيل السابق. فصراعات الأمس كانت محلية، أما صراعات اليوم فلقد أضحت رقمية وعابرة للقارات، والخوف لم يعد شائعة في قرية، بل خوارزمية تتكاثر. وهنا ندخل إلى الانعطافة التطورية الثانية. ففي عصر الذكاءات الاصطناعية، لم يعد الإنسان وحده من يعيد إنتاج الماضي، بل صار يملك أنظمة تضخّم تمثلاته وتعيد تدويرها وتُسرّع انتشارها.
فالماضي الذي لم نفهمه يتحول إلى خطاب كراهية وسرديات مؤامرة وحنين مرضي وقوميات متصلبة، أو حتى هلع معرفي من التقنية نفسها. إننا لا نخاف من المستقبل لأنه مجهول، بل لأننا نحمله معنا.
إن الميتابايولوجيا ترى أن القلق ليس عيباً عرضياً، بل آلية بقاء. فالعقل البشري تشكّل لأنه كان مضطراً إلى التوقّع. والتوقّع يعني تخيّل السقوط قبل حدوثه. لكن حين تنفصل هذه الآلية عن الواقع الفعلي، يتحوّل التوقّع إلى هوس. هنا يصبح المستقبل مسرحاً لإعادة عرض جراح غير ملتئمة.
وهنا يبرز سؤالٌ مفاده “هل يمكن كسر هذه الدورة؟”. يمكننا أن نكسر هذه الدورة، ليس عن طريق التفاؤل الساذج، أو عبر استدعاء الماضي تمجيداً أو تجريماً. بل عبر إعادة بناء التمثل. أي أن ننتقل من عقل يعيش في سردية إلى عقل يراقب كيف يصنع السردية. وهنا يظهر الفرق بين:
مجتمع يستعيد ماضيه ومجتمع يعيد فهم ماضيه؛ فالأول يعيد إنتاج الكارثة، أما الثاني فإنه يحوّله إلى معرفة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المستقبل ليس ظلاً ينتظرنا في الأمام، بل صدى يتردد من الخلف. فنحن لا نسير نحو الغد، بل نحمله في بنيتنا الإدراكية. وما لم نُعِد تشكيل اقتصاد التمثل لدينا، فردياً وجمعياً، فإن كل انعطافة تاريخية جديدة لن تكون سوى إعادة إخراج أكثر عنفاً لمسرحية قديمة. فالخطر ليس في أن يتكرر الماضي، بل في أن يتكرر بعقلٍ يملك أدوات أقوى ودروساً أقل فهماً.
وبناءً على ذلك فإن بإمكاننا أن نخلص الى صياغة مقاربة جديدة لتصوراتنا المستقبلية قوامها إدراك وتبين أن “المستقبل الذي نخشاه ليس قدراً محتوماً، بل هو نسخة بشعة من ماضٍ لم نستوعب دروسه جيداً”.

أضف تعليق