هوس التنميط… حين يخترع العقل أنماطاً ليهرب بها من فراغ المعنى

ليست أخطر خصائص العقل البشري قدرته على التفكير، بل ميله الجامح إلى التنميط. فالعقل لا يكتفي برصد الوقائع، بل يسارع إلى إدراجها ضمن قوالب مسبقة، حتى لو لم تكن هذه القوالب سوى إسقاطات ذهنية. فنحن لا نتحمل الفوضى الإدراكية؛ لذلك نصنع لها شكلاً، ولو كان شكلاً متوهماً.
إن التنميط في أصله وظيفة معرفية ضرورية. فالعالم معقّد إلى حدّ لا يمكن التعامل معه دون تبسيط. فعلى سبيل المثال، الطفل يتعلم مفهوم “الكرسي” لأنه يجمع أشياء مختلفة في فئة واحدة. والعالم يصوغ قانوناً لأنه يرى انتظاماً في تعدد الوقائع. غير أن المشكلة لا تكمن في وجود الأنماط، بل في استعجال فرضها.
إن العقل البشري يميل إلى أن يرى “النظام” حتى في الفوضى. وهذه النزعة ليست عيباً عارضاً، بل بنية متجذرة في تكويننا التطوري؛ فالكائن الذي يرى خطراً في ظلّ شجرة حتى لو لم يكن هناك خطر، هو أكثر قابلية للنجاة من ذاك الذي ينتظر اليقين. ومن هنا وُلد الميل إلى المبالغة في قراءة الأنماط. ولكن هذه الآلية التي خدمت البقاء، قد تتحول في السياق الحضاري إلى عبء معرفي.
في الفيزياء والفلك، على سبيل المثال، عرف التاريخ العلمي أمثلة صارخة على اختراع أنماط متوهمة. فقد اعتقد الفلكيون طويلاً بوجود كوكب يُسمّى “فولكان” لتفسير اضطراب مدار عطارد، قبل أن تكشف النسبية العامة أن الخلل لم يكن في الكواكب بل في النموذج التفسيري نفسه.
وفي الفيزياء الكلاسيكية، ساد الاعتقاد بوجود “الأثير” بوصفه وسطاً تنتقل فيه الموجات الضوئية. ولقد بدا هذا النمط حينها مقنعاً. فكل موجة تحتاج وسطاً، لكن التجربة كشفت أن النمط المفترض كان انعكاساً لعادة عقلية أكثر منه حقيقة فيزيائية.
وفي علم الأحياء، اندفع بعض الباحثين في القرن التاسع عشر إلى افتراض أنماط تطورية خطّية ترى في التطور مساراً تصاعدياً نحو “الأكمل”، متجاهلين أن الانتقاء الطبيعي لا يعمل بمنطق “التدرّج القيمي” بل بمنطق “الملاءمة البيئية”. فكان النمط الأخلاقي يُسقَط على الطبيعة. وهنا يظهر الخطر حين يتحول النموذج إلى قيد يمنع رؤية ما لا ينسجم معه.
والآن، إذا كان الوهم في العلوم الطبيعية يُصحَّح بالتجربة، فإن الوهم في العلوم الإنسانية قد يستمر قروناً لأنه يتغذى من الهوية والسلطة. فالتصنيفات العرقية الجامدة، على سبيل المثال، قامت على افتراض أنماط ثابتة للذكاء أو السلوك ترتبط بالانتماء البيولوجي. فلقد صُنعت “أنماط” لتفسير التاريخ، بينما كانت الوقائع أعقد من أن تُختزل في قالب واحد.
وفي علم النفس، ظهر ميل مبكر إلى تقسيم الشخصيات إلى فئات صارمة، كأن البشر ينتمون إلى قوالب نقية، بينما تكشف الدراسات الحديثة عن طيف متدرّج من السمات. فالتنميط هنا يمنح إحساساً بالسيطرة، لكنه يحجب التعقيد الفعلي.
أما في التاريخ، فكثيراً ما يُفرض على الأحداث “سرد نمطي” يُعيد ترتيب الوقائع لتنسجم مع نظرية مسبقة، وذلك كما حدث مع مصطلحات مثل صراع طبقي أو صدام حضارات أو حتمية اقتصادية… في حين أن ما يجري بين الوقائع قد يكون شبكة معقدة من الاحتمالات المتداخلة لا تختزل في محور واحد فحسب.
والآن، لماذا يفضّل العقل النمط المصطنع على النمط الحقيقي؟ المفارقة هنا أن الأنماط الحقيقية غالباً ما تكون دقيقة وجزئية واحتمالية. أما الأنماط المتوهمة فتمتاز بالبساطة والاكتمال. فالعقل ينجذب إلى ما يمنحه وضوحاً سريعاً حتى لو كان زائفاً.
فهناك ثلاثة أسباب رئيسة لهذا الميل:

  1. اقتصاد الجهد الإدراكي؛ فمن الأسهل أن نضع الأحداث في قالب جاهز من أن نعيد تحليلها كل مرة.
  2. الطمأنينة الوجودية؛ فالنمط يمنح شعوراً بأن العالم مفهوم ويمكن التنبؤ به.
  3. الهوية والانتماء؛ فكثير من الأنماط تخدم سرديات جماعية، ومن الصعب التخلي عنها دون تهديد الانتماء.
    لكن الثمن باهظ. إذ بينما ينشغل العقل بصناعة أنماط متوهمة، يغفل عن أنماط حقيقية كامنة في التفاصيل الدقيقة. فالعلوم الحديثة تتقدم غالباً حين يتخلى الباحث عن النمط المريح، ويصبر على الفوضى المؤقتة حتى تتكشف البنية الفعلية.
    وهنا، لابد من أن نشدد على حقيقة مفادها أن الإنسان لا يمكن أن يتوقف عن التنميط؛ فذلك يعني شلّ قدرته على الفهم. لكن يمكنه أن يميّز بين رؤية النمط وصناعته. فرؤية النمط تعني الانطلاق من الوقائع نحو صياغة تفسير قابل للاختبار والتعديل، أما صناعة النمط فتعني الانطلاق من فكرة مسبقة وإعادة تشكيل الوقائع لتخدمها. فالعلم يتقدم حين يسود الأول، ويتجمد حين يهيمن الثاني.
    يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن “الحكمة المعرفية” ربما تكمن في القدرة على تحمّل الفراغ المؤقت، في مقاومة الرغبة الفورية في الإغلاق. فالعالم لا ينهار إن اعترفنا بأن بعض الظواهر لم تتضح بعد. بل لعلّ الاعتراف بهذا الغموض هو ما يفتح الطريق لاكتشاف أنماط أعمق وأصدق. إن أخطر ما يفعله الإنسان لا يتجلى في كونه يخطئ في رؤية النمط، بل أنه يطمئن سريعاً إلى نمط صنعه بنفسه. والنضج المعرفي يبدأ حين نتعلم أن نسأل “هل نحن نكتشف النظام، أم نخترعه؟”.

أضف تعليق