
أمرَ اللهُ تعالى كلَّ مَن أرادَ أن يكونَ من الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يعاملَ والدَيه بالإحسان: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (من 23 الإسراء). كما وفصَّلَ اللهُ تعالى ما ينبغي أن يكونَ عليه هذا التعاملُ مع الوالدين بالإحسان، وذلك كما يتبيَّن لنا بتدبُّر الآيتَين الكريمتَين 14- 15 من سورة لقمان: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
ويقصرُ البعضُ، ممن لا يحسنون تدبُّرَ آياتِ القرآن، أمرَ اللهِ تعالى بالمصاحبةِ بالإحسان على الوالدين فحسب، وذلك في مقاربةٍ غيرِ موفقة. فاللهُ تعالى ما كان ليجعلَ الإحسانَ حكراً على فئةٍ من خلقِه بِعينِها. ولذلك فإن التدبُّرَ الحق لأمرِ اللهِ تعالى بمصاحبةِ الوالدين في الدنيا إحساناً ينبغي أن يجعلَنا ندركُ أنَّ هذا الأمرَ يطالُ كلَّ مَن تدعونا النفسُ إلى التشدُّدِ في معاملتِه وبما يجعله ساحةً فسيحةً تعبِّر فيها النفسُ عما جُبِلت عليه من كلِّ شيءٍ يتعارض مع ما يحبُه الله من الخيرِ والصلاح والتقوى. فما كان اللهُ تعالى ليختصَّ بالمصاحبةِ بالمعروف الوالدين ويدع الآخرين بمنأى عن هذا الجانبِ من جوانبِ الإحسان.
إن تدبُّرَ أمرَ اللهِ تعالى بمصاحبةِ الوالدين في الدنيا بالإحسان، التدبرَ الصائب، يوجبُ علينا أن نتبيَّنَ في هذا الأمر سعةً لا تستثني أحداً من خلقِه ممن يريدُنا اللهُ أن نصاحبَهم في الدنيا بإحسان.
