العبودية المطلقة لله هي السبيل الوحيد لتحرر الإنسان من قيود هشاشته

إن الربط بين “الهشاشة الإنسانية” (Human Fragility) وقوانين المادة (وتحديداً المنظور الدارويني) يمثل جوهر الصراع بين الرؤية المادية الصرفة للوجود وبين الرؤية الإيمانية القائمة على أساس من كون الإنسان كائناً ما كان له أن يكون لولا نفخة الله تعالى في أب البشر آدم. وفي هذا التوسع، سنقوم بتفكيك هذه العلاقة وكيف تعمل “المعجزة” كفعل تحرري يكسر حتمية البايولوجيا والفيزياء.
في السياق الدارويني، يُنظر إلى الإنسان ككائن خاضع لقوانين الانتخاب الطبيعي والبقاء للأقوى.  وهنا، تظهر “الهشاشة” في أبشع صورها؛ فالجسد البشري ليس سوى آلة بايولوجية معقدة، لكنها محكومة بـ:
• الضرورة العمياء: حيث لا قيمة للفرد إلا بقدر ما يخدم استمرار النوع.
• قانون الفناء: الموت والضعف والمرض هي أدوات “التنقيح” الطبيعي، ولا عزاء للمتألم أو الضعيف في هذا النظام.
• العشوائية: الهشاشة هنا تنبع من كوننا عرضة لطفرات جينية أو كوارث بيئية لا تفرق بين الناس وفقاً لمعتقداتهم ومقارباتهم للغاية من وجود الإنسان.
فالإنسان في قبضة الداروينية يصبح كائناً هشاً لا يضاهيه حيوان في هشاشته.
وعندما ندعو لتحرير المعجزات من سياقها التاريخي، فنحن عملياً ندعو إلى إثبات أن “القانون البايولوجي ليس قيداً”. فالمعجزة، في جوهرها، هي “خرق للعادة” أو تعطيل مؤقت للقانون الطبيعي (الدارويني والفيزيائي)، وهذا الخرق يحقق غايتين:
• إثبات السيادة الإلهية: فلسان حال المعجزة يقول بأنها ليست نتاجاً عرضياً للدماغ البشري أو صنيعةً للتطور المادي، بل هي تجلٍّ لأمرٍ صادر عن كيان غير مخلوق إذا أراد شيئاً فإنما يقول له “كن فيكون”، الأمر الذي يجعل المعجزة تتجلى في قدرتها على ترميم هشاشة الإنسان (كما في حالات الشفاء الإعجازي).
• كسر الحتمية: إذا كان القانون الدارويني يفرض الموت كحتمية عند وصول الجسد لنقطة معينة من الانهيار، فإن المعجزة تتدخل كـ “فعل حرية” يثبت أن هناك إرادة عليا يمكنها إعادة صياغة الواقع المادي.
إن مشروع الراهب مولينغر في مدينة بيتسبورك الأمريكية يأتي كأقوى تجسيد مادي لهذا الربط. فالمعبد الذي يضم آلاف الذخائر ذات الصلة بأناس عبدوا الله مخلصين له الدين ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو “مساحة لخرق الحتمية”. ففي هذا المكان، تلتقي الهشاشة القصوى (المرضى الذين عجز الطب عن علاجهم) بـ القوة المطلقة التي يمثلها تجلي المعجزة. فالتوثيق المادي لحالات الشفاء هناك يمثل “صفعة” للمنطق الدارويني؛ حيث أن الهشاشة البشرية التي تسببت بهذه الأمراض المستعصية على العلاج الطبي تم تطويعها بما تشتمل عليه المعجزة من قوة تعجز عقولنا عن التعامل المعرفي الصائب معها. فمولينغر كان يرى أن الذخائر هي “نقاط اشتباك” بين عالمين، حيث يتوقف زمن القوانين الطبيعية ليفسح المجال لزمن “الفضل والنعمة”.
وهنا، لابد من أن نسأل السؤال التالي: لماذا يحتاج الإنسان المعاصر للمعجزة؟ يحتاج الانسان المعاصر للمعجزة ليس طلباً للسحر، بل بحثاً عن المعنى. فالرؤية الداروينية الصارمة تحول الإنسان إلى “عبد للحتمية والضرورة”، مما يؤدي به إلى حالة من “اغتراب روحي”. أما المعجزة فإنها تعيد للإنسان كرامته؛ فهي تؤكد أنه “استثناء وجودي” وليس مجرد رقم في معادلة جينية، كما أن المعجزة تشدد على أن “هشاشة الإنسان” ليست نقطة ضعف بل هي “بوابة” لتدخل الأمر المقدس؛ فكلما زادت هشاشة الإنسان، زادت حاجته لخرق القوانين التي تحاول سحقه.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن “زمن المعجزات لم ينتهِ” لأن حاجة الإنسان للتحرر من أغلال المادة وقيودها لم تنتهِ. إن تحرير المعجزة هو في الحقيقة تحرير للإنسان من كونه “كائناً بايولوجياً هشاً”، وإعادته إلى مقامه ككائن يستطيع، عبر عبوديته المطلقة لله تعالى أن يطوع القوانين التي تفرضها الطبيعة.

أضف تعليق