
إن سؤال: ماذا يعني أن يكون الإنسان من المحسنين؟ لا يمكن فصله عن التحول البنيوي الذي أصاب الكائن البشري بعد الانعطافة التطورية الأولى؛ تلك الانعطافة التي لم يعد فيها الإنسان يستجيب للواقع كما هو، بل صار يعيش داخل تمثّلاته عنه. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الخطر حدثاً يُرى، بل احتمالاً يُتخيَّل. ولم يعد الآخر كائناً يُقابل، بل مشروع تهديدٍ محتمل. وهنا بدأ الخروج الحقيقي على عالم الطبيعة.
فالحيوان يتحرك وفقاً لقانون الضرورة الحيوية، فيهاجم حين يجوع، ويفرّ حين يخاف، ويهدأ حين تزول العلّة. أما الإنسان، وقد صار كائناً “تمثّلياً”، فقد بات يتصرف وفق تصوّراته عن الآخرين لا وفق تصرفاتهم الفعلية. فنشأ التحسّب، ثم الارتياب، ثم سوء الظن. وصار إصدار الحكم أسرع من التبيّن والردّ أسبق من الفهم والعدوان أيسر من الصبر.
وفق القراءة الميتابايولوجية، ليست العدوانية البشرية مجرّد بقايا غرائز بدائية،كما تزعم الداروينية بمدارسها كافة، بل هي نتاج “فائض تمثلي”. فالإنسان لا يواجه الواقعة فحسب، بل يضيف إليها احتمالاتها وتأويلاتها ومخاوفها. فيضخّم الإهانة ويؤوّل الصمت عداءً ويقرأ في الاختلاف تهديداً. ومن هنا تنشأ المسارعة إلى الأحكام والتسرّع في التصنيف والتشدّد في الموقف. فالإنسان، إذاً، لا يظلم لأن الطبيعة تملي عليه الظلم، بل لأنه خرج عليها، وصار أسير نماذجه الذهنية؛ فهو يعيش في “نموذج عن الآخر” أكثر مما يعيش مع الآخر ذاته.
وهنا تحديداً يظهر معنى الإحسان.
حين يأمر الله بالإحسان، فهو لا يطلب زيادة تجميلية فوق العدل، بل يطلب انقلاباً على الميل التمثّلي العدواني. فالعدل يقتضي أن تعطي كل ذي حق حقه، أما الإحسان فيقتضي أن تضبط نفسك قبل أن تحاسب غيرك، وأن تكظم غيظك قبل أن تنتصر لنفسك، وأن تلتمس العذر قبل أن تُدين.
إن الإحسان ليس سلوكاً سهلاً؛ لأنه يطالب الإنسان بأن يخالف ما استقرّ فيه من نزوع إلى الشك والارتياب، وكل هذا يقتضي منك أن تعفو وأنت قادر على الرد، وأن تغفر وأنت تشعر بالجرح، وأن تصفح وأنت تميل إلى الانتقام، وأن تسيء الظنّ بنفسك قبل أن تسيء الظنّ بغيرك. وكل ذلك يعني أن الإحسان ليس امتثالاً لطبيعة الإنسان بعد الانعطافة، بل مقاومة لها.
والآن، إذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد أخرجت الإنسان من الطمأنينة الحيوية إلى القلق التمثّلي، فإن الإحسان هو السبيل الوحيد لاستعادة توازنٍ مفقود. ليس بالعودة إلى عالم الطبيعة الذي فارقناه دون أي إمكانية للعودة إليه، بل بتجاوز “فائض التمثل” عبر انضباط أخلاقي تَكَفَّل بصياغته الدينُ الإلهي. فالإنسان الذي ينساق وراء حسده وغيرته وعدوانه، إنما يتصرف وفق “قانون القلق”. أما المحسن، فإنه يتصرف وفق “قانون العبودية الواعية”؛ أي وفق أمرٍ يتجاوز مزاجه وانفعاله. وهنا تتبدّى المفارقة الكبرى. فلقد خرج الإنسان على الطبيعة حين صار يعيش في تمثلاته، ويعود إلى اتزانه حين يُخضع تمثلاته لقيمٍ عليا. فأن تكون من المحسنين يعني أن لا تكون أسير تلك الانعطافة التي جعلتك كائناً متحفزاً، حَسوداً، سريع الاشتعال. يعني أن ترفض أن تتحول تمثلاتك إلى قدرٍ حتمي. يعني أن تدرك أن ميلك إلى سوء الظن ليس حقيقة موضوعية، بل أثرٌ لبنيةٍ قلقة في وعيك. فالإحسان، بهذا المعنى، ليس مجرد خُلُق اجتماعي، بل مشروع “تحرّر وجودي”. إنه كسرٌ لدائرة الردّ التلقائي، وتعليقٌ لحكمٍ كان يمكن أن يدمِّر، وضبطٌ لاندفاعٍ كان يمكن أن يُشعل فتنة. فالمحسن لا يُنكر أن في داخله ميلاً إلى العنف، لكنه لا يسمح لهذا الميل أن يتحول إلى فعل. والمحسن لا يُنكر أنه خرج على الطبيعة، لكنه يسعى إلى إعادة موضعة نفسه داخل نظام قيمي يضبط هذا الخروج.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الإنسان لو تُرك لطبيعته بعد الانعطافة التطورية الأولى، لتحوّل التاريخ إلى سلسلةٍ لا تنتهي من الثأر المتبادل. لكن الإحسان وُضع ليكون حدّاً أعلى يكبح هذا الانفلات. فليس المحسن من لا يغضب، بل من يملك غضبه. وليس المحسن من لا يسيء الظن، بل من يُجبر نفسه على التبيّن. وليس المحسن من لا يقدر على الرد، بل من يختار العفو. فالإحسان إذاً، في جوهره، هو أن تُخالف ما تدفعك إليه بنيتك القلقة، وأن تنصاع لما يحرّرك منها. وهكذا، فأن تكون من المحسنين يعني أن لا تدع الانعطافة التطورية الأولى تحكمك، بل أن تجعل من أخلاقك “انعطافة تطورية ثانية”، تُعيدك من فائض التمثل إلى جادة الحق، ومن القلق إلى السكينة، ومن الطغيان في العدوان إلى المصاحبة بالمعروف.
