من الغريزة إلى الإمبراطورية… تمدّد المجال الحيوي بوصفه انكساراً لمنطق المنفعة التطورية

تتأسس الأدبيات الكلاسيكية في البايولوجيا التطورية على فرضية محورية مفادها أن الكائن الحي يتحرك ضمن حدود ما تقتضيه “المنفعة التطورية”. فالسلوك، وفق هذا المنظور، ليس سوى أداة لتعظيم فرص البقاء والتكاثر. ومن بين أكثر أنماط السلوك رسوخاً في هذا السياق ما يُعرف بسلوك “الدفاع عن المجال الحيوي” (territoriality)، حيث يدافع الحيوان عن مساحة محددة توفر له الموارد الضرورية: الغذاء والمأوى وفرص التكاثر. غير أن هذا النموذج، على تماسّه الوثيق بالواقع الحيواني، يتعرض لاهتزاز عميق عند تطبيقه على الإنسان.
فالإنسان، بخلاف الحيوان، لم يكتفِ بالدفاع عن مجال حيوي محدد تفرضه عليه شروط النوع، بل حوّل هذه النزعة إلى مشروع تمدد مفتوح. فلم يعد المجال الحيوي مساحةً بيئيةً تُحمى، بل صار أفقاً سياسياً يُفتح، وحداً جغرافياً يُكسر، وخريطةً يُعاد رسمها باستمرار. وهنا تحديداً يتجلّى أحد أعمق أشكال التناشز بين الإنسان والحيوان بعد الانعطافة التطورية الأولى التي أخرجته من الاستجابة الطبيعية إلى التمثّل الرمزي.
ففي الطبيعة، المجال الحيوي محدد ضمنياً بقدرات النوع واحتياجاته. وحين تتجاوز جماعة حيوانية قدرة البيئة على الاستيعاب، يظهر التوازن من خلال الهجرة أو التناقص العددي أو إعادة توزيع الموارد. فلا توجد في السلوك الحيواني نزعة لتوسيع المجال الحيوي إلى ما لا نهاية. فالحيوان لا يحتل قارة لأنه قادر على ذلك، ولا يبني إمبراطورية لأنه يمتلك فائض قوة. أما الإنسان، فقد حوّل القدرة إلى حق والقوة إلى مبرر والتمدد إلى غاية قائمة بذاتها. وهنا تكمن القطيعة. فالمجال الحيوي لم يعد محدداً بمقتضيات البقاء، بل صار تابعاً لمقدار النفوذ. ومع كل طفرة تقنية، من الزراعة إلى الصناعة، ومن البارود إلى الذكاء الاصطناعي، يتضخم المجال الحيوي تبعاً لتضخم القدرة. وكأن الإنسان قد انفلت من قيد “المنفعة التطورية” التي يفترض أن تضبط سلوكه.
فوفقاً للمنطق الدارويني، فلا معنى هنالك لسلوك لا يحقق منفعة تكيفية واضحة. لكن التمدد الإمبراطوري والحروب العابرة للقارات واستنزاف الموارد خارج حدود الحاجة البيولوجية، لا يمكن ردّها ببساطة إلى منطق البقاء. فأي منفعة تطورية يحققها النوع إذا تمدد أفراده خارج حدود المساحة التي تشكّلت فيها بنيته التكيفية عبر آلاف السنين؟ وأي تكيف يُنتج حين يتحول الصراع من دفاع عن مورد محدود إلى صراع على الهيمنة بوصفها قيمة رمزية؟
إننا هنا أمام سلوك يتجاوز شروط الانتقاء الطبيعي كما صاغتها البايولوجيا التطورية الكلاسيكية. فالإنسان لا يتحرك فقط بدافع الحاجة، بل بدافع التمثّل؛ فإنه لا يدافع عن مورد فحسب، بل عن صورة وعن فكرة وعن نفوذ متخيّل. ومن هنا تبدأ الأزمة. فإذا كان الحيوان يتحرك ضمن حدود الطبيعة، فإن الإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى، صار يتحرك داخل تمثّلاته عنها. فلقد خرج من الاستجابة المباشرة إلى العيش في الاحتمال، ومن الضرورة البايولوجية إلى فائض المعنى؛ وهذا الفائض هو ما حوّل “الحفاظ على المنطقة” إلى “توسيع النفوذ”. فالخطر لم يعد فقط ما يهدد البقاء المباشر، بل ما قد يهدد المكانة أو التفوق أو الهيمنة المستقبلية. وهكذا وُلد “التمدد الوقائي”، ثم “التمدد الاستباقي”، ثم “التمدد العدواني”. إنها قفزة من المجال الحيوي الطبيعي إلى المجال الحيوي الرمزي.
وهنا تحديداً يتبدى الخلل البنيوي: فالسلوك الذي كان يؤدي وظيفة تكيفية محددة في الحيوان، انفلت عند الإنسان من ضوابط النوع، وأصبح قابلاً للتمدد بقدر ما تسمح به القوة. وهذا الانفلات لا يمكن تفسيره بالكامل بأدوات البايولوجيا التطورية التقليدية، لأنه ليس مجرد تضخيم كمي لنزعة قديمة، بل تحوّل نوعي في بنيتها.
إن الإبقاء على النموذج التطوري في صورته الاختزالية يجعلنا نفسر التوسع البشري بوصفه استمراراً “طبيعياً” لسلوك حيواني سابق. غير أن الوقائع تشير إلى أننا أمام ظاهرة تتطلب مراجعة أعمق. فالإنسان لم يعد مقيداً بحدود المجال الحيوي الذي شكّل بنيته التكيفية، بل أصبح يعيد تعريف مجاله تبعاً لتراكم القوة. وهذا يعني أن الطبيعة لم تعد هي التي تحدد الحدود، بل القدرة.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة بناء الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه أي منظومة أخلاقية. فإذا كانت الطبيعة لم تعد تكبح التمدد، فلا بد من كابح آخر. وإذا كان النوع لا يفرض حدوداً تلقائية، فلا بد من حدود معيارية.
إن أخطر ما في تمدد المجال الحيوي البشري ليس اتساعه، بل وهم المشروعية الذي يصاحبه. فالقوة توهم صاحبها بأن القدرة دليل الاستحقاق، وأن الإمكان يساوي الجواز. غير أن أي منظومة أخلاقية لا تعيد فرض حدود على هذا الانفلات، إنما تترك الإنسان فريسة لقوة لا يعترف لها بسقف. وهنا يتحول التفوق إلى طغيان، والقدرة إلى تهديد للنوع نفسه. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يمد مجاله الحيوي إلى حد إبادة بيئته أو تهديد بقائه أو تدمير شروط استمراره. وهذا وحده كافٍ للقول إننا أمام خلل لا يمكن رده إلى منطق الانتقاء الطبيعي.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن التناشز بين الإنسان والحيوان لا يكمن فقط في اللغة أو الثقافة أو التقنية، بل في انفلات المجال الحيوي من ضوابطه البايولوجية. فالحيوان يحيا ضمن حدود ما يحتاجه، أما الإنسان فيميل إلى التمدد بقدر ما يستطيع. وهذا الانفلات هو أحد أعمق آثار الخروج على الطبيعة بعد الانعطافة التطورية الأولى. فإذا لم يُقيد الإنسان نفسه بحدود معيارية تعلو على منطق القوة، فإنه سيظل يعيد إنتاج وهمٍ قديم يتمثل في أن ما يستطيع فعله، يحق له فعله. وفي هذا الوهم يكمن أصل المأزق الحضاري.

أضف تعليق