
يعد استقبال المؤرخين والعلماء المعاصرين لشهادة ابن فضلان حالة استثنائية في دراسة العصور الوسطى؛ فهي لم تُعامل مجرد “حكاية رحالة”، بل اعتُبرت المصدر الأولي الأكثر موثوقية لتاريخ شعوب الشمال والروس في تلك الحقبة. فالمعضلة التي واجهت مؤرخي أوروبا هي أن معظم حكايات الـ “السَّاجا” (Sagas) الإسكندنافية كُتبت بعد قرون من وقوع الأحداث، وغلب عليها الطابع الأسطوري. بينما قدم الرحالة العربي ابن فضلان ما رآه لحظة حدوثه (عام 922م تقريباً). ولقد اتسمت شهادته على ما رآه بموضوعية قل نظيرها؛ فعلى الرغم من اشمئزازه الشديد من بعض العادات، بسبب من خلفيته المسلمة المتحضرة، إلا أنه نقل التفاصيل بدقة “فوتوغرافية” دون تزييف، مما جعل المؤرخين مثل “مونتغمري” (James Montgomery) يعتبرونه المصدر الأهم لفهم طقوس ما قبل المسيحية في الشمال الأوروبي.
ولقد حدث التحول الأكبر في استقبال هذه الشهادة بسبب من المكتشفات الأثرية. فعندما اكتشف علماء الآثار سفن الدفن في مواقع مثل “أوسبيرج” (Oseberg) في النرويج، وجدوا تطابقاً مذهلاً مع وصف ابن فضلان (تجهيز السفينة ووضع المتاع والتضحية بالحيوانات). وقد عثر المنقبون في بعض القبور الملكية للفايكنج على بقايا نساء قُتلن بطريقة توحي بالتضحية البشرية، مما حوّل وصف ابن فضلان من “قصة صادمة” إلى حقيقة تاريخية مثبتة أثرياً.
ولم يقتصر التأثير على المؤرخين، بل امتد للثقافة العامة، وهو ما يعكس اعتراف الغرب بقيمة شهادته:
1. فلقد استلهم مايكل كريكتون روايته “أكلة الموتى” (Eaters of the Dead) مباشرة من رسالة ابن فضلان.
2. ولقد جسد أنطونيو بانديراس في فيلم “المحارب الثالث عشر” (The 13th Warrior) شخصية ابن فضلان؛ حيث اعتمد في مشاهده الأولى (خاصة مشهد الجنازة وغسل الوجه) على النص الحرفي للرحالة العربي.
وفي المقابل، فلقد حلل بعض المؤرخين المعاصرين (مثل توماس نونان) نص ابن فضلان كأداة لفهم “الهوية”؛ حيث يرى هؤلاء أن ملاحظاته حول “عدم النظافة” تعكس “صدمة حضارية”، لكنها في ذات الوقت توثق طقوساً تطهيرية جماعية لم يفهمها ابن فضلان بشكل كامل، فقام المؤرخون بإعادة تفسيرها وفق المنظور الأنثروبولوجي الحديث.
وهذا سلوك غير علمي، بالمطلق، ناهيك عن كونه يتنافى مع وجوب الالتزام بما يكفل عدم الانجرار الى “المماحكات العرقية” التي لجأ إليها هذا البعض من المؤرخين، في محاولة منهم للتقليل من شأن شهادة ابن فضلان بحجة كونه لم يستطع أن يفصل بين هويته الدينية والمشهد الذي أمامه، الأمر الذي جعل شهادته مشوبة بأحكام هوياتية مسبقة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن شهادة ابن فضلان لا تكشف لنا عن فضلها وأفضليتها بما امتازت به من تجرد وموضوعية ودقة وحيادية فحسب، ولكنها ترينا أيضاً كيف يبني كثيرٌ من الباحثين أحكامهم استناداً لعجزهم عن التحلي بما يتطلبه المنهج العلمي الصارم من التزام بالتعالي عن التعامل مع الآخر وفقاً لما يمليه انتماء الباحث لهذا العرق أو الدين أو ذاك.
