مجلة “العربي”… القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية

تعتبر مجلة “العربي” في عهد الدكتور أحمد زكي ظاهرة فريدة لم تتكرر في تاريخ الصحافة العربية؛ فهي لم تكن مجرد مطبوعة دورية، بل كانت “الممبر الثقافي” الذي توحدت حوله العقول من المحيط إلى الخليج. ففي الوقت الذي كانت فيه السياسة تمزق الجسد العربي بالخلافات والحدود، جاءت “العربي” لتبني وحدة وجدانية ومعرفية عابرة للأنظمة والسياسات. لقد نجح الدكتور أحمد زكي في جعل المجلة “جواز سفر” ثقافياً يسمح للقارئ العربي بالتجول في أرجاء وطنه الكبير دون تأشيرة. فلقد قامت سلسلة “اعرف وطنك أيها العربي” بصياغة الهوية البصرية والجغرافية للمواطن العربي. كما كانت استطلاعات المجلة المصورة، التي جابت القرى والمدن العربية المنسية، بمثابة إعادة اكتشاف للذات. فلأول مرة، رأى القارئ في المغرب تفاصيل حياة أخيه في عُمان، وتعرف ابن الشام على تراث ابن السودان. فلقد ساهمت هذه الرحلات الاستكشافية في صياغة مفهوم “الوطن الواحد” جغرافياً وبشرياً، مما خلق شعوراً بالانتماء يتجاوز الحدود المصطنعة. فقبل عصر الفضائيات والإنترنت، كانت “العربي” هي الرابط الثقافي المشترك.
ولقد اعتمد الدكتور أحمد زكي لغة تجمع بين رصانة الفصحى وبساطة الحديث اليومي المثقف، مما جعلها مقبولة ومفهومة لدى كافة الشرائح، من الأكاديمي في جامعته إلى الهاوي في قريته. فلم تكن المجلة تُعنى بالشأن المحلي الكويتي فحسب، بل كانت منبراً لكل كاتب ومفكر عربي، مما جعلها “برلماناً ثقافياً” عربياً مصغراً.
ولقد أدرك الدكتور أحمد زكي أن العلم هو اللغة العالمية التي لا يختلف عليها اثنان. فمن خلال تبسيطه للعلوم في مقالاته، ومنها سلسلة “وحدة الخلق”، خلق قاعدة معرفية موحدة، مما جعل العقل العربي يلتف حول قضايا المستقبل (الذرة، الفضاء، الطب) بدلاً من الانكفاء على صراعات الماضي، مما وحد الطموح العربي نحو “الانبعاثة” المنشودة.
لم تكن مجلة “العربي” تبيع معلومات، بل كانت تبني وعياً كلياً. كانت مقالات “وحدة الخلق تجلٍّ لوحدة الخالق” تربط المؤمن بربه عبر بوابة العلم، وتربط العربي بأرضه عبر بوابة المعرفة؛ مما أنتج جيلاً من المثقفين العرب يمتلكون رؤية عالمية (Cosmopolitan) لا تتعارض مع هويتهم القومية.
لقد كانت “العربي” تحت قيادة أحمد زكي هي “الخيمة” التي استظل بها الفكر العربي في مرحلة حساسة من تاريخه، محولةً الثقافة من “نخبوية منعزلة” إلى “فعل جماعي موحد”، فاستحقت أن تكون العمود الفقري للانبعاثة الفكرية العربية في القرن العشرين.
وخير ما تُختتم به هذه المقالة تدبُّرٌ لبعض أفكار الدكتور أحمد زكي التي زيَّنَ بها أعداداً من مجلة “العربي”، فاستحقت أن تبقى نبراساً تستهدي به أجيالنا الصاعدة:
1. “إن هذا الكون مسمار في آلة، والآلة في مصنع، والمصنع في مدينة… كل شيء مترابط، والوحدة هي قانون الوجود الأسمى. فإذا نظرنا إلى الذرة وجدنا نظاماً، وإذا نظرنا إلى المجرة وجدنا ذات النظام؛ إنها وحدة الخلق التي لا تدل إلا على وحدة الخالق.”
2. “أردنا لـ “العربي” أن تكون الساحة التي يلتقي فيها العربي بأخيه العربي، لا ليتحدثا في السياسة التي تفرق، بل ليتحدثا في الثقافة التي تجمع، وفي العلم الذي يبني، وفي الفكر الذي يحرر النفوس من قيود الجهل.”
3. “ليس العلم حكراً على من لبسوا المآزر البيضاء داخل المختبرات، بل العلم هو ضياء العقل في الطريق، وهو العدسة التي نرى بها عظمة الله في حبة الرمل كما نراها في النجم البعيد. إن أمة لا تقرأ العلم، هي أمة تعيش على هامش الحياة.”
4. “يا أيها العربي، أنت لست ابن طينك وفصلك فحسب، أنت ابن هذا الكون الفسيح، وقوانين المادة التي تسري في جسدك هي ذاتها التي تحرك الكواكب. فافهم مكانك من الوجود، لتعرف قدرك بين الأمم.”

أضف تعليق