وللفوضى سلطانٌ لا يكاد ينجو منه التاريخ والعلم… قراءة ميتابايولوجية في خروج الإنسان على نظام الطبيعة

لم تكن الفوضى في تاريخ الكون حادثاً عارضاً، ولا حالةً استثنائية تنتظر أن ينتصر عليها النظام. بل لعلّ الأدق أن نقول إن الفوضى كانت دائماً الخلفية العميقة التي يتشكل على سطحها ما نسميه “النظام”. فالنجوم تولد من اضطراب السدم الكونية، والأنواع الحية تظهر عبر طفرات غير متوقعة، والحضارات نفسها لا تنهض إلا على أنقاض أزماتٍ وانكسارات. وبتصفح كتب التاريخ وكتب العلم معاً، نجد أن ما يُقدَّم لنا بوصفه “نظاماً” ليس إلا استراحةً قصيرة في مسار طويل من الاضطراب.
فالتاريخ البشري، حين يُقرأ من زاوية بعيدة، يبدو أقرب إلى سلسلةٍ من الانقطاعات منه إلى خطٍ متصل من التقدم. تنهار إمبراطوريات كانت تبدو راسخة، وتظهر أفكار تقلب موازين العالم، وتتحول اكتشافات علمية صغيرة إلى انكسارات معرفية تعيد ترتيب تصورنا للكون. وما كان يبدو مستقراً بالأمس يغدو اليوم مجرد مرحلة عابرة في حركة لا تهدأ.
أما العلم، الذي نشأ أصلاً بوصفه محاولةً لفهم النظام الكامن في الطبيعة، فقد وجد نفسه مراراً أمام حقيقة مقلقة مفادها أن الفوضى ليست مجرد خلل في معرفتنا، بل قد تكون جزءاً من بنية الواقع نفسه. فمن الفيزياء الحديثة إلى علوم الحياة، تتكرر الإشارة إلى أن العالم لا يسير دائماً وفق انتظامٍ يمكن التنبؤ به. بل إن ما نسميه “القوانين” هي، في الواقع، ليست سوى صيغ تقريبية لواقعٍ أكثر تعقيداً بكثير مما تسمح به نماذجنا.
لكن المفارقة الكبرى تظهر حين نلتفت إلى الإنسان نفسه. فإذا كانت الطبيعة تحتمل قدراً واسعاً من الفوضى، فإن الإنسان كان الكائن الذي قرر أن يقف في مواجهتها. فلم يكتفِ بفهم ما يجري في العالم، بل شرع منذ لحظة مبكرة في مسيرته التطورية في إعادة ترتيب العالم وفق نظامٍ من صنعه. ومن هنا تبدأ القصة التي تكشف لنا مقدار الخروج الذي أحدثه الإنسان على قوانين الطبيعة.
ووفق القراءة الميتابايولوجية لمسيرة الحياة، فإن التحول الحاسم في تاريخ الإنسان لم يكن مجرد تطور بايولوجي تدريجي، بل انعطافة تطورية أولى غيّرت بنية علاقته بالعالم. فقبل هذه الانعطافة كان الكائن الحي يعيش داخل الطبيعة ويخضع لإيقاعها. أما بعدها فقد بدأ الإنسان يعيش داخل تصوّرٍ عن الطبيعة.
وهنا يكمن الفرق الجوهري.
فالحيوان يتحرك داخل نظام الطبيعة دون أن يسعى إلى تغييره. إنه يتكيّف مع بيئته ويخضع لشروطها ويتصرف ضمن الحدود التي يفرضها النوع. أما الإنسان، فقد شرع منذ وقت مبكر في محاولة فرض نظامه الخاص على ما بدا له فوضى الطبيعة. فلم يعد هدفه التكيف مع البيئة فحسب، بل إعادة تشكيلها.
لقد حوّل الأنهار إلى قنوات، والغابات إلى مدن، والجبال إلى طرق، والطبيعة نفسها إلى مورد قابل للإدارة. ومع كل خطوة من هذه الخطوات كان الإنسان يبتعد أكثر عن الإيقاع الأصلي للحياة البايولوجية. وهكذا لم يعد يعيش داخل الطبيعة بقدر ما صار يعيش داخل نظامٍ اصطناعي بناه على انقاضها.
غير أن هذه المحاولة لم تكن مجرد تقدم تقني. لإنها كانت تعبيراً عن تغير أعمق بكثير في بنية الإدراك البشري. فمنذ تلك اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يرى العالم بوصفه فوضى ينبغي تنظيمها، لم يعد الواقع يُقرأ كما هو، بل كما ينبغي أن يكون.
ومن هنا وُلدت الحضارة.
فالحضارة ليست سوى الاسم الذي نعطيه لمحاولة الإنسان المستمرة لفرض النظام على عالمٍ لا يكف عن الانفلات منه. إنها مشروعٌ هائل لتقليص الفوضى، حتى وإن كان هذا المشروع نفسه يولد أشكالاً جديدة منها. فكل نظام يقيمه الإنسان يحمل في داخله بذور اختلاله، وكل استقرار تاريخي يخفي تحت سطحه قوىً تنتظر لحظة الانفجار.
وهكذا يبدو الإنسان، في ضوء هذه القراءة، كائناً يقف في موقعٍ فريد داخل تاريخ الحياة على الأرض. فهو الكائن الوحيد الذي لم يكتفِ بالعيش داخل نظام الطبيعة، بل حاول أن يستبدله بنظامٍ آخر من صنعه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل كان هذا المشروع انتصاراً على الفوضى، أم أنه كان مجرد انتقالٍ من فوضى الطبيعة إلى فوضى أكثر تعقيداً صنعها الإنسان بنفسه؟ ربما يكون الجواب أن الفوضى لم تُهزم قط. فكل ما حدث هو أن الإنسان، منذ تلك الانعطافة التطورية الأولى، دخل في صراعٍ دائم معها. صراعٌ صنع التاريخ. وصاغ العلم. ولا يزال حتى اليوم يرسم حدود المستقبل.

أضف تعليق