الشرخ الكبير.. كيف تسللت الفوضى إلى “وعاء” النظام؟

إذا سلمنا بالنتيجة التي انتهينا إليها في مقال سابق، وهي أن الفوضى لا وجود لها في “خارج” الوعي الإنساني، وأن الكون بأسره محكوم بنظام صارم لا عبث فيه، فإننا نصطدم بسؤال يفرض نفسه وبقوة مفاده “إذا كان الإنسان ابناً لهذا الكون، وجزءاً لا يتجزأ من مادته وتطوره، فمن أين استمد هذا الشعور بالفوضى؟ وكيف استقام للفرع (الإنسان) أن يعاني الشتات بينما الأصل (الكون) في غاية الإحكام؟ أوليست هذه مفارقةٌ كبرى؟! فكيف تأتى لجزءٍ فوضوي (الإنسان) أن يكمن في قلب كلٍ منظم (الكون)؟”.
فمن الناحية البايولوجية والمادية، يسير جسم الإنسان وفق نظام مذهل؛ فخلاياه وشفرته الوراثية وعملياته الحيوية، لا تعرف العبث. لكن “الفوضى” التي نتحدث عنها تسكن في مكان آخر؛ إنها تسكن في “الوعي”. وهنا يبدو أن “شيئاً ما” قد حدث في مسار الإنسان التطوري، لحظة فارقة جعلت منه الكائن الوحيد الذي “يستشعر” الفوضى بل ويخلقها. ويمكننا تفسير هذه الفوضى بأنها نتيجة لحدث “انفصال” كبير. فبينما تتحرك بقية الكائنات وفق “غريزة” هي في جوهرها (برمجة نظامية صارمة)، مُنح الإنسان “الوعي بالذات” و”حرية الإرادة”. فالغريزة هي نظامٌ جاهز لا يحتاج لتفكير، لذا لا يشعر الحيوان بالفوضى لأنه لا يملك خيارات خارج نظامه. والوعي هو القدرة على الاختيار بين احتمالات لا نهائية. وهذه “الحرية” هي التي بذرت بذور الفوضى؛ لأنها أخرجت الإنسان من طريق النظام الغريزي الآلي إلى فضاء الاحتمالات المفتوحة. لقد صار الإنسان يملك القدرة على أن “لا يتسق” مع الطبيعة، ومن هنا تولد الشعور بالتمزق والشتات.
ألا يدل هذا على أن “عطلاً” أو “تحولاً” قد أصاب ماضينا؟ يمكن القول إن الفوضى هي “الضجيج” الناتج عن محاولة العقل البشري استيعاب اللانهائي بداخل وعاءٍ محدود. إنها نتيجة لامتلاك الإنسان لآلة إدراكية (العقل) تفوق حاجته البايولوجية الصرفة. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يسأل “لماذا؟”، وعندما لا يجد إجابة فورية تتناسب مع تطلعاته، يفسر هذا الصمت الكوني بأنه “فوضى”. فالفوضى إذاً ليست “مادة” دخلت في تكويننا، بل هي “حالة ناتجة” عن عجزنا عن “مواءمة” نظامنا الداخلي مع النظام الكوني الشامل.
وبسبب من هذا الشرخ الداخلي، صار الإنسان يرى العالم من خلال ثقوب نفسه الممزقة. إن “النهلستية” والقول بالعبث ليست اكتشافات لصفات في الكون، بل هي “اعترافات” بالفشل في تحقيق الاتساق مع نظام الخالق.  فعندما يقول الإنسان: “العالم فوضوي”، فإنه في الحقيقة يصرخ: “أنا فوضوي، ولا أجد مكاني في هذا النظام!”. لقد تحول الإنسان من “مرآة” تعكس جمال النظام الكوني، إلى “عدسة مشوهة” تسقط شتاتها الخاص على لوحة الوجود البديعة. بل وعلى العكس من ذلك، فإن الفوضى تفيض من النفس داخل الإنسان على العالم خارجه.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن وجود الفوضى داخلنا ليس دليلاً على عشوائية الخلق، بل هو دليل على “استثنائية” وضع الإنسان. نحن الكائنات التي كُلفت بمهنة “إدراك النظام”، وهذا التكليف يتطلب مساحة من الحرية، والحرية بالضرورة تفتح الباب لاحتمال الخطأ والشتات. فالفوضى إذاً هي “الصراع الداخلي” للوعي وهو يحاول أن يجد طريقه للعودة والاتصال بالنظام الإلهي الأكبر.

أضف تعليق