
منذ منتصف القرن العشرين تقريباً، نشأ في بعض دوائر البحث العلمي حلمٌ خفي يمكن وصفه بأنه أحد أكثر الطموحات المعرفية جرأة “تحويل الاستثناء إلى قاعدة”. فبعد الحرب العالمية الثانية، ومع صعود العلوم العصبية وعلم النفس التجريبي، بدأت تتشكل قناعة ضمنية لدى عدد من الباحثين مفادها أن القدرات البشرية الخارجة عن المألوف، سواء أكانت قدراتٍ معرفية فائقة تُنسب إلى العبقرية، أم ظواهر غير تقليدية تُصنَّف ضمن ما يُعرف بالباراسايكولوجيا، ليست إلا إمكانات كامنة في الدماغ البشري يمكن، من حيث المبدأ، تحريرها من حصريتها واستثنائية أولئك الذين يتمتعون بها عبر تقنيات مناسبة.
ومن هنا نشأ مسار بحثي امتد قرابة ثمانين عاماً، تشعّب بين مختبرات علم النفس المعرفي، وأبحاث القدرات الخارقة، وبرامج تنمية الإبداع، وتجارب تعديل الإدراك، والتدريب المعرفي المكثف. وعلى الرغم من اختلاف خلفيات هذه الأبحاث ومناهجها، فإنها كانت تتحرك جميعاً نحو هدف واحد، غير مُعلن في كثير من الأحيان، هو إيجاد وسائل تسمح بـ “تعميم الاستثناء البشري”.
ويمكن أن نطلق على هذا المشروع اسماً مفاهيمياً جامعاً: العبقرة (Geniusisation)؛ أي تحويل الإنسان العادي إلى كائن يتمتع بقدرات استثنائية، سواء في مستوى الذكاء الخارق أو في مستوى القدرات الإدراكية غير التقليدية. غير أن استعراض هذا التاريخ البحثي الطويل يقود إلى نتيجة لا تكاد تحتمل التأويل مفادها أن جميع هذه المحاولات قد باءت بالفشل الذريع في تحقيق هدفها الأساسي. فمنذ خمسينيات القرن العشرين، سعت عدة اتجاهات بحثية إلى اكتشاف طرق تجعل القدرات الاستثنائية قابلة للاكتساب. ويمكن تلخيص أبرز هذه الاتجاهات في أربع مسارات رئيسية:
1. علم نفس الإبداع: حيث حاول الباحثون تحديد “آليات التفكير العبقري” وتحويلها إلى استراتيجيات تعليمية يمكن تدريب الأفراد عليها.
2. التدريب المعرفي المكثف: الذي افترض أن الذكاء يمكن رفعه عبر برامج تدريبية طويلة المدى تستهدف الذاكرة والانتباه والمرونة الذهنية.
3. العلوم العصبية والتعديل الدماغي، والتي سعت إلى فهم البنية العصبية للعبقرية أملاً في تحفيزها عبر تقنيات كهربائية أو دوائية.
4. أبحاث القدرات غير التقليدية (الباراسايكولوجيا): التي حاولت اختبار إمكان تدريب البشر على قدرات مثل الإدراك خارج الحواس أو التأثير العقلي في المادة.
ورغم التباين الشديد بين هذه المجالات، إلا أنها تشترك في افتراض ضمني واحد مفاده أن القدرات الاستثنائية ليست سوى مهارات كامنة “يمكن تعميمها” إذا ما اكتُشفت آلية تشغيلها؛ لكن هذا الافتراض لم يصمد أمام الاختبار التاريخي. فبعد عقود طويلة من التجارب والدراسات، لم تظهر أي تقنية موثوقة تمكنت من تحويل الأفراد العاديين إلى عباقرة أو إلى أصحاب قدرات إدراكية خارقة. صحيحٌ أن بعض المهارات المعرفية قد تم تحسينها، كما أمكن تدريب الناس على التفكير الإبداعي بدرجات محدودة، غير أن الفجوة بين الإنسان العادي والعبقري ظلت قائمة كما هي تقريباً. والأمر نفسه ينطبق على القدرات الباراسايكولوجية. فعلى الرغم من وجود تجارب مثيرة للاهتمام في بعض المختبرات، فإنها لم تُفضِ إلى تقنيات قابلة للتعميم أو إلى برامج تدريبية تستطيع إنتاج هذه القدرات على نطاق واسع. وهنا تظهر حقيقة أساسية غالباً ما يجري تجاهلها مفادها أن العبقرية ليست مهارة قابلة للتعليم، بل بنية عصبية نادرة. وكذلك الحال بالنسبة لأي قدرة إدراكية استثنائية محتملة.
إن الخطأ الجوهري في مشروع “العبقرة” يكمن في افتراض أن الاستثناء يمكن نسخه. فالعبقرية، تاريخياً، لم تظهر بوصفها نتيجة تدريب منهجي، بل بوصفها تكوّناً فريداً للدماغ يجمع بين عوامل جينية وعصبية وبيئية معقدة لا يمكن إعادة إنتاجها بشكل صناعي. إن محاولة تحويل العبقرية إلى مهارة قابلة للتعميم تشبه محاولة تحويل الطفرة البايولوجية إلى برنامج تدريبي. فالطفرة لا تُدرَّس، إنها تحدث. ومن هنا فإن الاعتقاد بإمكان صناعة العبقرية يكشف في كثير من الأحيان عن سوء فهم لطبيعة الدماغ البشري نفسه.
يمكن القول إن مشروع “تعميم العبقرية” يقوم على مفارقة معرفية عميقة: فإذا أصبحت العبقرية قابلة للتعميم، فلن تعود عبقرية أصلاً! فالعبقرية، بحكم تعريفها، تقوم على الندرة. حيث إنها اختلال إحصائي إيجابي في توزيع القدرات البشرية. ولذلك فإن تحويلها إلى قاعدة يعني إلغاء المفهوم ذاته.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن مراجعة ثمانين عاماً من الأبحاث حول القدرات البشرية الاستثنائية تقود إلى حكم واضح مؤداه أنه لا توجد حتى الآن أي تقنية علمية قادرة على تحويل الفرد العادي إلى عبقري أو إلى صاحب قدرات إدراكية غير تقليدية. وإذا كان تحسين بعض المهارات المعرفية أمراً ممكناً، فإن التحول البنيوي في طبيعة الذكاء يظل ظاهرة نادرة لا يمكن تصنيعها. فالعبقرية ليست نتاج برنامج تعليمي، وليست تقنية قابلة للتطبيق. إنها، مثل الطفرات الكبرى في الطبيعة، حدث نادر لا يمكن هندسته. ولهذا فإن مشروع “العبقرة” (geniusisation) قد يظل واحداً من أكثر الأحلام المعرفية جاذبية في تاريخ العلم، لكنه سيبقى، على الأرجح، حلماً مستحيلاً لا يمكن تحقيقه.
