الفوضى داخل الإنسان وليست في العالم… مقاربة صوفية

إذا كانت الفوضى لا تسكن إلا في وعاء النفس البشرية، فإن الحكمة الصوفية تفسر هذا “الشتات” بمفهوم “الغربة”. ففي الرؤية الصوفية، الكون كله يسجد في محراب النظام لأنه “متصل” بمصدره، أما الإنسان، فقد أُلقي به في عالم المادة محملاً بأمانة الوعي، فاستشعر الانفصال.
يُشبه جلال الدين الرومي الإنسان بـ “الناي” الذي قُطع من منبته (الغابة)، فهو لا يصدر الأنين إلا حنيناً لأصله. هذه الفوضى الداخلية التي نستشعرها، وهذا الضجيج النفسي، ليس إلا “أنين الاغتراب”. نحن نشعر بالفوضى لأننا “خارج سياقنا الأصلي”. فالكون منظّم لأنه باقٍ في حضرة المصدر، أما نحن، فنتوهم الفوضى لأننا نسينا “لغة المركز”.
إن السقوط من “وحدة المعنى” إلى “تعدد الشتات” في حضرة الخالق (المركز)، لا يوجد إلا “الواحد”، والواحد هو منتهى النظام. فالفوضى تبدأ عندما يبتعد الإنسان عن هذا المركز؛ فكلما ابتعدت النقطة عن مركز الدائرة، زاد اضطراب حركتها واتسعت مساحة تيهها. إن الفوضى التي نسقطها على العالم هي في الحقيقة “شوقٌ مشوّه”. فنحن لا نرى العالم فوضوياً لأنه كذلك، بل لأن أنفسنا التي انفصلت عن نبع الطمأنينة باتت ترى “تعدد الظواهر” شتاتاً، بينما يراها العارف “وحدةً” تتجلى في صور شتى.
ومن هذا المنظور، فإن الفوضى ليست كياناً وجودياً، بل هي “حجاب الجهل”. تماماً كما أن الظلام ليس له وجود ذاتي بل هو مجرد “غياب النور”، فإن الفوضى هي “غياب شهود الحكمة”. فالعدمي أو التائه لا يرى العبث في الكون، بل يرى “انعكاس غياب النور في قلبه”. ولو استقام القلب على خط المركز (الخالق)، لتبخرت الفوضى، ولرأى الإنسان أن حتى الزلزال والموت والمصيبة هي جنودٌ في جيش النظام الإلهي، لا تشذ عنه قيد أنملة.
إن حل معضلة الفوضى لدى الإنسان لا يكون بمزيد من تفسيرات العلم المادية، بل بـ “الانضباط التعبدي”. فحين يعود الإنسان ليربط “إرادته” بـ “إرادة الله”، يكتشف أن الفوضى التي كان يراها في الخارج لم تكن سوى “اضطراب في عدسة الرؤية”. عندها، يدرك أن كل ما في الكون “مقصود”، وأن العبث هو الوهم الوحيد الذي اختلقه الإنسان ليفهم “غربته عن الله”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن “الشيء الذي حدث” في ماضينا التطوري والروحي هو “يقظة الأنا”؛ تلك الأنا التي ظنت أنها مركزٌ بحد ذاتها، فحدث الشرخ. فالفوضى هي صرخة “الجزء” الذي يحاول أن يكون “كلاً” بعيداً عن خالقه. ولن يستعيد الإنسان نظامه إلا حين يدرك أنه “ذرة” في تيار الحكمة الإلهية، لا فوضى تحكمه، بل حبٌ ونظامٌ يسوقانه إلى منتهاه.

أضف تعليق