“الفوضى” في العالم كمرآة للفوضى داخل الإنسان

يقف الإنسان المعاصر أمام هذا الكون الفسيح بذهول يتأرجح بين الدهشة والحيرة. وحين تصطدم أدواته الإدراكية بظواهر تعجز عيناه عن الإحاطة بأبعادها، أو يعجز عقله عن إخضاعها لقوانين التعليل والتفسير، فإنه يجد نفسه أمام مأزق معرفي حاد. هذا العجز، بدلاً من أن يكون دافعاً للتواضع أمام عظمة “المجهول”، يتحول أحياناً إلى محاولة يائسة لفرض “نظام تفسيري” متوهم، أو الأسوأ من ذلك يتجلى في الحكم على تلك الظواهر بأنها محض “فوضى”.
إن مصطلح “الفوضى” في حقيقته ليس وصفاً لجوهر الأشياء، بل هو اعترافٌ ضمني بهزيمة العقل. فعندما يعجز الإنسان عن قراءة السطور الكونية، يزعم أنها “بلا معنى”، وعندما لا يدرك الترتيب الدقيق للحدث، فإنه يرميه في سلة “العشوائية”. فالفوضى بهذا المعنى هي “نظام لم يُفهم بعد”، وهي الفجوة القائمة بين تعقيد الوجود المذهل وبين محدودية الوعي البشري. إن تسمية الظواهر المستعصية بالفوضى هي محاولة من الإنسان للسيطرة على قلقه الوجودي؛ إذ إن “اللامعنى” عند البعض هو أهون من “المعنى الذي لا يُدرك”.
من منطلق إيماني عميق، يغدو الحديث عن “الفوضى الوجودية” تناقضاً منطقياً. ففي كونٍ خلقه إلهٌ حكيمٌ عليمٌ قدير، لا يمكن لصفة العبث أن تجد لها موطئ قدم. إن الإرادة الإلهية التي أحكمت خلق الذرة وجعلت فيها نظاماً مدهشاً، هي ذاتها التي ضبطت حركة المجرات الكبرى. الخالق سبحانه لم يكن ليخلق شيئاً إلا لغاية، والغاية تقتضي النظام بالضرورة. لذا، فإن كل ما يظهر للعين البشرية كشتات أو بعثرة، هو في الحقيقة خيطٌ في نسيجٍ كوني محكم لا تراه العين المجردة. الفوضى في كونٍ مخلوق بذكاء وقصد وتصميم مسبق هي “عدمٌ” محض؛ فلا وجود لها خارج دائرة الجهل الإنساني.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة؛ إن كل حديث عن “الفوضى” في العالم الخارجي يشي في الواقع بما يعتمل داخل “القائل” بها من شعور بالفوضى. إنها حالة من “الإسقاط النفسي” حيث تصبح رؤية العالم مسرحاً للعبث انعكاساً لذاتٍ فقدت بوصلتها.
وهذا يذكرنا بالمؤمنين بالفلسفة “العدمية” (النهلستية)؛ أولئك الذين يرمون العالم بصفات اللاجدوى والعبث واللا معنى، ليس لأن العالم كائن هكذا، بل لأن ذواتهم قد خلت من النظام والمعنى. إنهم يصبغون الوجود بألوان ذواتهم القاتمة؛ فمن يعيش الفوضى في داخله، لا يمكنه أن يرى النظام في خارجه، ومن غلبه “العدم” في ذاته، رأى “العدم” في كل تجليات الحياة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الفوضى ليست حقيقة موضوعية خارج عقل الإنسان، بل هي “حالة ذهنية” يسكن فيها من عجز عن الارتقاء لفهم الحكمة الإلهية. فالفوضى تسكن داخل المؤمن بها فقط، أما العالَم في الخارج، فهو سيمفونية كبرى تُعزف بدقة متناهية، لا يشذ عنها خيط ضوء أو ذرة غبار. إن دورنا ليس الحكم على الكون بالفوضى، بل تطهير أنفسنا من شتاتها لنبصر النظام الكامن في قلب كل شيء.
وصدق من قال: “الفوضى هي الاسم الذي نطلقه على نظام لم نفهمه بعد.”  وكذلك من قال: “إن العين التي لا ترى في الوجود إلا العبث، هي عين انطفأ فيها نور المعنى.”

أضف تعليق