
نقرأ في سورةِ مريم، وفي الآيتَين الكريمتَين 20- 21 منها، قولَ اللهِ تعالى: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ). فما هو معنى “هَيِّنٌ” في قولِ اللهِ تعالى “قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ”؟
يعين على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى في الآيات الكريمة التالية:
• (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) (7- 9 مريم).
• (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (من 27 الروم).
فاللهُ تعالى حين خاطبَ النبيَّ زكريا بقولِه “هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ”، فإنه إنما كان يشيرُ إلى قدرتِه التي تنطوي عليها الحقيقةُ التي مفادها أنه إذا أرادَ شيئاً فإنما يقولُ له “كن” فيكون. وإرادةُ اللهِ هنا لا تتعلق بالأسبابِ التي سبق وأن خلقَها يومَ خلقَ السمواتِ والأرض وكفَّلها تسييرَ مجرياتِ الوقائعِ والأحداث بإذنِه. فآليةُ عمل “كن فيكون” غيرُ مشروطةٍ بهذه الأسبابِ على الإطلاق. ولذلك فلقد وصف اللهُ تعالى إعادتَه للخلقِ يومَ القيامة بأنها “أهون عليه” من خلقِه له أول مرة (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (من 27 الروم). وما ذلك إلا لأن الخَلقَ الثاني، يومَ تقومُ الساعة، سوف يكون بـ “كن فيكون”.
وهكذا فإنَّ بإمكانِنا أن ندرجَ المواضعَ القرآنيةَ الثلاث: “هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ” (من 9 مريم)، “هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ” (من 21 مريم)، “وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ” (من 27 الروم) في سياقٍ ذي صلة للشيءِ إذا أراده الله فإنما يقول له “كن فيكون”. فأن يصبح للسيدة مريم غلام إذاً “هو على الله هين” لأن ذلك لا يستدعي نظاماً سببياً موقوتاً بمواقيت محددة؛ حيث أنه لا يقتضي غير أن يقولَ اللهُ تعالى له “كن” فيكون.
