الداروينية العربية المبكرة… حين غابت “الإنتكاسة البشرية” خلف وهج التطور

في مطلع القرن العشرين، كان الوطن العربي يغلي برغبة عارمة في اللحاق بركب المعاصرة. فبرزت آنذاك أسماء مثل شبلي شميل بماديته الجريئة، وسلامة موسى بتبشيره بالعلم، وإسماعيل مظهر بترجمته الدقيقة لكتاب “أصل الأنواع” لداروين. فهؤلاء لم ينقلوا بايولوجيا فحسب، بل نقلوا “إيماناً” بأن الإنسان ليس سوى حلقة في سلسلة تطورية متصلة.
لقد نجح هؤلاء الرواد في كسر الجمود الفكري، لكنهم في غمرة حماسهم لـ “وحدة النشوء”، تبنوا الداروينية كمنظومة مغلقة تفسر كل شيء. ما فاتهم، وفات داروين من قبلهم، هو أن الظاهرة الإنسانية ليست مجرد استطالة بايولوجية للحيوان. فبينما يتحرك الحيوان وفق “غريزة النوع” المنضبطة، يعاني الإنسان من شروخ وجودية وبايولوجية تجعله “كائناً استثنائياً” بكل المقاييس.
يمكننا رصد القصور الذي وقع فيه هؤلاء الرواد، وشاركتهم فيه المدارس التطورية المبكرة، في النقاط التالية:
1. العدوانية والفاعلية الجنسية: فعلى عكس الحيوان الذي يمارس العنف والجنس ضمن دورات بايولوجية محددة ولأهداف تتعلق بالبقاء (حفظ النوع)، يُظهر الإنسان عدوانية “مفرطة” تتجاوز الحاجة، وفاعلية جنسية “منفلتة” من عقال الزمن والموسم، مما يشير إلى خروج الإنسان عن النسق التطوري الرتيب إلى منطقة “القلق والارتباك”.
2. التدني المناعي والقلق الوجودي: فالإنسان هو الكائن الأكثر عرضة للأمراض مقارنة بالرتب الدنيا، وكأنه دفع ثمن “وعيه” تدهوراً في جسده. هذا الوعي هو الذي خلق “القلق الوجودي” الذي لا يمكن تفسيره بمفردات الانتقاء الطبيعي؛ فالقلق لا يساعد على البقاء، بل يعطله.
3. التباس الإرادة: بينما يعرف الحيوان تماماً ما يريده (الأكل، التكاثر، الهرب)، يعيش الإنسان صراعاً مريراً بين رغباته الذاتية وبين ما تمليه عليه مصلحة “النوع”، وهو انفصام ينسف فكرة التطور المتسلسل السلس.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن إسماعيل مظهر ورفاقه قدموا خدمة جليلة للعقل العربي بتعريفه بالعلم، لكنهم أغفلوا أن الإنسان هو “الثغرة” في جدار التطور. فما يميزنا ليس “الارتقاء الوظيفي” فحسب، بل هو ذلك التوتر الوجودي الذي لا يمكن لجينات الشمبانزي، أو قوانين الغابة، أن تفسره.

أضف تعليق