بين الغضب والندم… لماذا يفضّل الإنسان أن ينظر إلى الماضي غاضباً بدل أن ينظر إليه تائباً؟

من أيسر ما يفعله الإنسان أن يبحث عن سبب لفشله. ومن أصعب ما يفعله أن يجد هذا السبب في نفسه. فبين هذين المسارين، يتحدد الفرق بين من ينظر إلى الماضي بغضب ومن ينظر إليه بندم. ولهذا لم يكن غريباً أن تتردد في الثقافة الحديثة عبارةٌ تدعو الإنسان إلى أن ينظر إلى الماضي بغضب Look back in anger.
وكأن الماضي ساحة مظالم ارتكبها الآخرون في حقه. غير أن هذه الدعوة، على شيوعها، تكشف عن إحدى أعمق المعضلات في البنية النفسية والمعرفية للإنسان وهي ميله الجامح إلى إزاحة المسؤولية عن نفسه وإلقائها على غيره. فلو كان الإنسان قادراً حقاً على مواجهة ذاته، لكان الأجدر أن يقال له: انظر إلى الماضي بندم وإصرار على التوبة Look back in remorse and repentance. غير أن هذا المسار الأخير، على بداهته الأخلاقية، هو الأصعب نفسياً. إذ يتطلب من الإنسان أن يعترف بأنه أخطأ، وأن جزءاً غير يسير من معاناته هو نتيجة قراراته هو، لا نتيجة “مؤامرات الآخرين”.
غير أن القراءة الميتابايولوجية للظاهرة الإنسانية تتيح لنا تفسيراً أعمق لهذه النزعة. فهذه الظاهرة ليست مجرد ضعف أخلاقي، بل هي امتدادٌ مباشر لما أحدثته الانعطافة التطورية الأولى في البنية الإدراكية للإنسان. فقبل تلك الانعطافة، كان الكائن الحي يستجيب للواقع كما هو. فالخطأ يتجلى في صورة نتيجةٍ مباشرة، والتعلم يحدث عبر الاحتكاك المباشر بالعالم. أما الإنسان، فمنذ اللحظة التي صار فيها كائناً يعيش داخل تمثلاته عن الواقع لا داخل الواقع نفسه، فقد أصبح قادراً على إعادة تفسير الأحداث بما يحفظ صورة ذاته. ومن هنا نشأ أحد أكثر ميول الإنسان رسوخاً، والمتمثل بإعادة كتابة أسباب الفشل بطريقة تُبرئ الذات وتدين الآخرين. فالإنسان لا يكتفي بأن يخطئ؛ بل يضيف إلى خطئه طبقةً أخرى من التأويل، تجعل من الآخرين سبباً لما حدث. فالفشل يصبح ظلماً والخسارة تصبح مؤامرة والإخفاق يتحول إلى نتيجة لجهل الآخرين أو حقدهم. وهكذا يتحول الماضي في نظر الإنسان إلى محكمة يُحاكِم فيها العالم كله، بينما يظل هو خارج دائرة الاتهام.
إن هذه النزعة لا تنبع فقط من حب الذات، بل من شيء أعمق هو عجز الإنسان عن احتمال صورة نفسه بوصفه كائناً قابلاً للخطأ. فالاعتراف بالخطأ يعني الاعتراف بالقصور، والقصور يهدد تلك الصورة المتضخمة للذات التي نشأت مع الانعطافة التطورية الأولى، حين بدأ الإنسان ينظر إلى نفسه بوصفه مركز الكون ومعياره. ولهذا يصبح الغضب من الماضي أسهل من الندم عليه. فالغضب يمنح الإنسان شعور الضحية، أما الندم فيفرض عليه مواجهة الحقيقة.
ومن هنا نفهم لماذا يكثر في التاريخ من يحمِّلون الآخرين مسؤولية إخفاقاتهم، بينما يقل من يعترفون بأنهم هم السبب فيها. فالإنسان لا يجد صعوبة في اكتشاف أخطاء الآخرين، لكنه يجد صعوبة هائلة في رؤية أخطائه هو، ليس لأنه يعجز عن رؤيتها، بل لأنه لا يرغب في رؤيتها!
وهكذا، يتحول الماضي إلى مرآة مشوهة. فمن ينظر إليه بغضب يرى فيه سلسلة مظالم تعرض لها من قبل الآخرين، أما من ينظر إليه بندم، فيرى فيه سلسلة من الدروس. والفرق بين النظرتين ليس فرقاً أخلاقياً فحسب، بل فرقٌ وجودي. فالأولى تجعل الإنسان أسيراً لماضيه، أما الثانية فتمكّنه من التحرر من هذا الماضي. ولعلّ هذا هو أحد المعاني العميقة لفكرة التوبة في المعتقد الديني؛ فهي ليست مجرد ندم على خطأ أخلاقي، بل هي في جوهرها إعادة تصحيح لعلاقة الإنسان بالحقيقة.
فالتوبة تبدأ حين يتوقف الإنسان عن اتهام العالم، ويبدأ بمساءلة نفسه. وعند تلك اللحظة فقط يتحول النظر إلى الماضي من غضبٍ عقيم إلى معرفةٍ محرِّرة.

أضف تعليق