
عندما نضع إسماعيل مظهر وسلامة موسى في كفة المقارنة، نجد أننا أمام مدرستين لكيفية التعامل مع المقاربة الداروينية للظاهرة الإنسانية؛ فبينما غرق مظهر في بنيوية العلم ومحاولة تأصيله فلسفياً، اندفع سلامة موسى نحو وظيفية العلم واستخدامه كأداة للتغيير الاجتماعي الجذري.
وفيما يلي أبرز نقاط التمايز والالتقاء في تناولهما للإنسان:
1. الإنسان بين “البايولوجيا” و”الأيديولوجيا”
• إسماعيل مظهر: نظر إلى الإنسان من وجهة نظر “عالِم الطبيعيات”. فكان تركيزه منصباً على إثبات أن الإنسان خاضع لنفس القوانين التي تحكم الخلية الأولى. فالإنسان عنده هو “النتيجة الحتمية” لسلسلة من التفاعلات المادية. لذلك، ركز في ترجماته وكتاباته على “التطور المتسلسل” كحقيقة علمية صلبة، وكأنه يريد قول إن الإنسان هو “حيوان راقٍ” فقط بالدرجة لا بالنوع.
• سلامة موسى: كان أكثر راديكالية وأقل “علموية” من مظهر. فالإنسان عند سلامة موسى هو “مشروع تطوير”؛ فهو لم يكتفِ بالجانب البايولوجي، بل قفز إلى “الداروينية الاجتماعية”. كان يرى أن التطور لم ينتهِ، وأن على الإنسان العربي أن “يتطور إرادياً” ليلحق بالرجل الأبيض (السوبرمان النيتشوي أحياناً)، مما جعله يغفل تماماً عن “الهشاشة الإنسانية” والقصور البايولوجي، لأنه كان مشغولاً بصناعة “إنسان المستقبل”.
2. النشوء والارتقاء.. هل هو ميكانيكي أم غائي؟
• مظهر: اتسم تناوله بالبرود العلمي؛ فالإنسان جزء من نظام “ميكانيكي” كوني. لم يعطِ وزناً كبيراً للمشاعر أو القلق الوجودي، بل اعتبرها “إفرازات” ثانوية للمادة.
• موسى: كان يرى في التطور “رسالة”. فالإنسان عنده يجب أن يتجاوز ضعفه البايولوجي من خلال العلم. وهنا تكمن المفارقة: فسلامة موسى، في حماسه لتطوير الإنسان، لم ينتبه إلى أن هذا الإنسان “منفلت” بطبعه، وأن غرائزه (الجنسية والعدوانية) ليست دائماً في خدمة “الارتقاء” بل قد تكون معولاً هدماً يُقوِّض أركان المشروع التطوري برمته.
ولكن، كيف وقع كلٌ من إسماعيل مظهر وسلامة موسى في فخ التطور الدارويني المتسلسل؟ بدايةً، فلقد اتفق الاثنان على أن الإنسان هو “قمة الهرم” التطوري، وهذا هو مكمن القصور المعرفي الذي تدعو هذه المقالة إلى تبينه في المقاربة الداروينية للظاهرة الإنسانية. ويتجلى هذا القصور المعرفي فيما يلي:
1. تجاهُل “التراجع المناعي”؛ حيث أنهما لم يدركا أن “الارتقاء” المزعوم صاحبه ضعف في البنية الدفاعية للجسم البشري، مما جعل الإنسان الكائن الأكثر “مرضاً” في الطبيعة.
2. تجاهل “الانفصام الإرادي”، فلقد اعتبرا أن وعي الإنسان هو أداة نجاحه، بينما الواقع يثبت أن هذا الوعي هو مصدر “ارتباكه”؛ فالإنسان هو الوحيد الذي قد يفعل ما يضر “بقاء نوعه” (كالانتحار أو الحروب الشاملة)، وهو ما لا تفسره الداروينية الكلاسيكية التي بشروا بها.
