الميتابايولوجيا و”أطلس الخلق”… اختلاف في السؤال قبل اختلاف في الجواب

كثيراً ما يُظن أن كل نقدٍ لنظرية التطور الداروينية يصدر بالضرورة عن المنطلق نفسه. غير أن التدقيق يكشف أن الاعتراضات على الداروينية قد تنتمي إلى أطر معرفية متباينة إلى حدٍّ بعيد، بل ربما متعارضة في جذورها. ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك المقارنة بين ما يمكن تسميته المقاربة الميتابايولوجية للإنسان، وبين المقاربة التي يقدمها الباحث التركي عدنان أوكتار في كتابه الشهير أطلس الخلق. فعلى الرغم من أن كلا المقاربتين تتقاطعان في التشكيك في قدرة النموذج الدارويني على تفسير الظاهرة الإنسانية، فإنهما تنطلقان من سؤالين مختلفين جذرياً، وتصلان بالتالي إلى رؤيتين متباينتين لطبيعة الإنسان وموقعه في مسار مشروع التطور.
يقوم مشروع أطلس الخلق على فرضية مركزية مفادها أن الأنواع الحية لم تتطور تدريجياً عبر طفرات وانتقاء طبيعي كما تقترح الداروينية، بل ظهرت مكتملة الخلق منذ البداية. ولهذا يسعى الكتاب إلى تقديم ما يرى مؤلفه أدلةً أحفورية وتشريحية على ثبات الأنواع وعدم تحولها عبر الزمن.
إن الإطار المعرفي لهذا المشروع هو إطار جدلي دفاعي؛ فهو يتعامل مع نظرية التطور بوصفها أطروحة علمية خاطئة ينبغي تفنيدها، ويهدف في المقابل إلى تثبيت رؤية خلقية تقليدية تؤكد أن الكائنات الحية خُلقت على هيئاتها الحالية دون تحولات كبرى. وبهذا المعنى، فإن سؤال هذا المشروع يمكن صياغته على النحو التالي: هل تطورت الكائنات الحية تدريجياً أم أنها خُلقت على صورتها الحالية منذ البداية؟ إنه سؤال يدور كله داخل نطاق التاريخ البايولوجي للأنواع. أما المقاربة الميتابايولوجية فتنطلق من سؤال مختلف تماماً. فهي لا تبدأ بالسؤال عن كيفية ظهور الأنواع، بل بالسؤال عن الانقطاع الذي حدث داخل النوع البشري نفسه. فالمشكلة الأساسية هنا ليست “هل تطور الإنسان من سلفٍ حيواني أم لا؟”، بل: كيف خرج الإنسان على منطق الطبيعة الذي ما زال يحكم الكائنات الحية الأخرى؟ فالحيوان يعيش داخل اقتصادٍ بايولوجي دقيق؛ فهو يأكل حين يجوع ويقاتل حين يُهدَّد ويتوقف عن القتال حين لا يعود هنالك أي مبرر للإستمرار فيه. أما الإنسان فقد ظهر في التاريخ بوصفه كائناً غير منضبط بهذا “الاقتصاد الطبيعي”. فلقد تجاوز الإنسان حدود “المجال الحيوي” وبنى إمبراطوريات وخاض حروباً لا علاقة لها بالبقاء البايولوجي المباشر وأنتج أنظمة رمزية معقدة من الفولكلور واللغة والأسطورة والاقتصاد. وهنا تظهر الفكرة المركزية في المقاربة الميتابايولوجية والتي مفادها أن الإنسان تعرّض لانعطافة تطورية “مباغتة” لم تكن مجرد تطور بايولوجي “تدريجي”، بل تحول بنيوي في طريقة اشتغال الإدراك. إن هذه الانعطافة، التي يمكن وصفها بالانعطافة التطورية الأولى، نقلت الإنسان من كائن يستجيب للواقع كما هو، إلى كائن يعيش داخل تمثّلاته للواقع. ومنذ تلك اللحظة أصبح الإنسان يخاف من أخطار لم تقع بعد ويقاتل دفاعاً عن أفكار ورموز ويبني نظم قوة تتجاوز مقتضيات البقاء. وبذلك نشأ التاريخ الإنساني بوصفه ظاهرة لا يمكن اختزالها في البيولوجيا التطورية التقليدية.
ومن هنا يتضح أن الاختلاف بين المشروعين لا يكمن في النتائج فقط، بل في مجال البحث نفسه. فمشروع “أطلس الخلق” يظل محصوراً في سؤال: كيف نشأت الأنواع؟ أما المقاربة الميتابايولوجية فتطرح سؤالاً أعمق: كيف ظهر كائن خرج على منطق الأنواع نفسها؟ فالميتابايولوجيا لا تناقش أصل الإنسان بقدر ما تناقش التحول الذي جعل الإنسان ظاهرة مختلفة عن الحيوان بالتمام والكلية.
ولهذا يمكن القول إن “أطلس الخلق” يعمل داخل إطار “البايولوجيا الجدلية” ضد الداروينية، بينما تعمل الميتابايولوجيا داخل إطار فلسفة الإنسان ما بعد البايولوجيا. فالسؤال لم يعد: هل الإنسان متطور أم مخلوق؟ بل أصبح: ما الذي حدث للإنسان حتى أصبح الكائن الوحيد الذي يصنع التاريخ ويخرق منطق الطبيعة؟ وهذا السؤال، بطبيعته، لا يمكن الإجابة عنه داخل حدود الداروينية ولا داخل حدود النظرية الخلقية التقليدية، لأنه يتعلق بتحول بنيوي في طبيعة الإدراك البشري ذاته.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المقارنة بين “أطلس الخلق” والمقاربة الميتابايولوجية تكشف عن فرقٍ منهجي عميق. فالأول يسعى إلى إبطال نظرية علمية، أما الثانية فتسعى إلى إعادة صياغة السؤال نفسه حول الإنسان. وبين المشروعين مسافة معرفية كبيرة؛ فأحدهما يتحرك داخل جدل البايولوجيا، بينما يحاول الآخر أن يفسر اللحظة التي خرج فيها الإنسان من البايولوجيا نفسها.

أضف تعليق