
في مطلع القرن العشرين، كان العقل العربي يبحث عن “مفتاح” سحري لفك مغاليق التأخر الحضاري. برزت آنذاك أسماء مثل شبلي شميل وسلامة موسى وإسماعيل مظهر؛ فهؤلاء لم يكتفوا بنقل نظرية بايولوجية، بل قدموا “الداروينية” كعقيدة “خلاصية”، واعتبروا الإنسان حلقة صلبة في سلسلة مادية لا تنقطع. إلا أن هذا الاندفاع المعرفي جعلهم يقعون في “فخ التسلسل”، متجاهلين أن الإنسان كائن “خارج النص” الطبيعي في كثير من تجلياته.
ولقد ظهرت آنذاك مدرستان في “تنميط” الظاهرة الإنسانية؛ حيث تزعَّم اسماعيل مظهر المدرسة الأولى، بينما تزعَّم سلامة موسى المدرسة الثانية. وعند فحص مشروع كل منهما، فسوف نجد أننا أمام مقاربتين اشتركتا في النتيجة رغم اختلاف المنطلق. فلقد اعتمد إسماعيل مظهر “المقاربة البنيوية”؛ حيث غرق في تفاصيل “النشوء”. فالإنسان عنده هو “النتيجة الحتمية” لتراكم مادي بايولوجي. فلقد كان إسماعيل مظهر “عالِم طبيعيات” في تفكيره، يرى أن كل ما في الإنسان، بما في ذلك وعيه، هو مجرد “إفراز” وظيفي لخدمة البقاء؛ حيث أنه قدّم “بايولوجيا التطور” كبناء ميكانيكي هندسي، لا مكان فيه للصدوع النفسية أو القلق الوجودي. أما سلامة موسى فلقد اعتمد “المقاربة الوظيفية”. حيث أنه ذهب ابعد مما ذهب إليه إسماعيل مظهر، وذلك باعتماده “الداروينية الاجتماعية”. فالإنسان عنده هو “مشروع تطوير” و”مادة خام” للتغيير. فلم يكن يعنيه الإنسان ككائن هش، بل ككائن يجب أن “يُرتقى به” قسراً ليلحق بركب المدنية المعاصرة. فالعلم عند سلامة موسى كان “أداة سيطرة” لا أداة فهم لتعقيدات الطبيعة البشرية.
ولقد فات هذين الرائدين أن تمايز الإنسان عن الحيوان ليس “كمياً” (في درجة الرقي) بل هو تمايز “نوعي” يتجلى في نقاط فشلت الداروينية الكلاسيكية في التعليل لها بمفردات “التطور المتسلسل”. وهذه النقاط هي:
1. الانفلات الغريزي: بينما تنضبط الغريزة (الجنسية والعدوانية) لدى الحيوان ضمن “مصلحة النوع” ودوائر الزمن البايولوجي، يظهر الإنسان عدوانية مفرطة (تدمير الذات والآخر دون سبب يتعلق بالبقاء) وفاعلية جنسية منفلتة عن مواسم التناسل، مما يجعل الإنسان كائناً “مضطرباً” بايولوجياً وليس “مرتقياً”.
2. الهشاشة والمناعة: دفع الإنسان ثمن وعيه تدهوراً في مناعته الجسدية؛ فهو الكائن الأكثر عرضة للأمراض والعلل مقارنة بالرتب الدنيا، وهو ما يضع علامة استفهام أمام مفهوم “البقاء للأصلح” بمعناه البايولوجي الصرف.
3. القلق والتباس الإرادة: فات مظهر وموسى أن وعي الإنسان ليس “أداة نجاح” دائماً، بل هو مصدر قلق وجودي مزمن. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعاني من انفصام بين “رغبته الذاتية” و “مصلحة نوعه”، وهو ارتباك لا تجد له أثراً في المملكة الحيوانية التي تتحرك بيقين غريزي تام.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن إسماعيل مظهر وسلامة موسى، في محاولتهما “علمنة” العقل العربي، قد غيبا “استثناء الإنسان”. فلقد نقلا إلينا داروينية “مسطحة” ترى التطور صعوداً مستمراً، بينما يشير الواقع إلى أن الإنسان هو الكائن الذي “انكسر” فيه التطور المتسلسل، لينبثق منه كائن قلق ومتوتر وعدواني، لا يمكن فهمه بالكامل عبر ميكانيكا البايولوجيا وحدها.
