هل يدركُ الاتحادُ الروسي حقيقةَ ما يُحاكُ له؟

ما الذي يشغلُ بالَ المخطِطين الاستراتيجيين لسياساتِ الاتحادِ الروسي بعيدةِ المدى هذه الأيام؟ هل يدركون أنهم إذا ما قصَروا حساباتِهم على “العمليةِ العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، دون أخذٍ بنظرِ الاعتبار لِما شرعَ في التجلِّي خلال الأشهرِ العشر الماضية، فإنهم سيكونون بذلك كمن أبصرَ الشجرةَ وفاته أن يرى الغابةَ بأشجارِها كلِّها جميعاً؟ فلماذا لا تكون هذه “العملية” هي كلَّ ما يحتاجُه الأمر حتى يضمنَ المخطِّط الاستراتيجي الأمريكي أن تبقى أعينُ مخططي الكرملين الاستراتيجيين بعيدةً كلَّ البعد عن الربطِ بين أحداثٍ شهدتها هذه الأشهرُ العشر وأرادَ مَن تسبَّبَ فيها ألا يتبيَّنَ هؤلاء ما ينتظمُها من خيطٍ يمسكُ بطرفَيه مَن يقف من وراءِ حدوثِها؟
فهل يُعقل ألا يكونَ مخطِّطو الكرملين الاستراتيجيون قد غابَ عن أفهامِهم أنَّ هنالك خطةً مبيَّتةً دُبِّرت بِليل تقضي بتجريدِ موسكو من حلفائها الاستراتيجيين، حليفاً إثر الآخر، هكذا ومن دون أيِّ جَلَبَةٍ تسترعي الانتباه؟ فهل هي مجردُ “صدفة” أن يتمَّ اختزالُ التواجدِ الروسي في سوريا إلى “وجودٍ شكلي” فحسب، بعد أن كان ما كان عليه يوماً؟ وهل ما حدث في فنزويلا من تغييرٍ للنظام بعمليةٍ غيرِ مسبوقةٍ على الإطلاق هو لا أكثر من  حدثٍ عارضٍ لا صلةَ له بما يحدث في أماكنَ أخرى على الساحةِ الدولية؟ وهل ما يحدث الآن على الجبهةِ الإيرانية هو حقاً كما يُرادُ أن يُظَنَّ به؟ وهل بوسعِنا أن نكونَ واثقين كلَّ الثقة من أنَّ الأمرَ ليس ذا صلةٍ بتغييرِ المشهدِ السياسي هناك حتى يتسنى تجريد موسكو من حليفٍ استراتيجي لها سيتكفل غيابُه عن المشهد بإتاحةِ الفرصةِ الذهبية التي طال انتظارُها لتعويضِ الخسارةِ التي تعرضَ لها حلف الناتو على الجبهةِ الأوكرانية؟ وأي قيمة للحدودِ الجديدة التي أرادت موسكو أن تفرضَها على حِلفِ الناتو بتوسُّعِها داخل الأراضي الأوكرانية، في مقابلِ خسارتِها للحدودِ القائمةِ بينها وبين النظامِ الحالي في طهران؟ فسقوطُ هذا النظام سوف يجعل الاتحادَ الروسي يواجهُ أزمةً مصيرية لا يمكن مقارنتُها بخسارتِه للحدودِ على الجبهةِ الأوكرانية، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بحساباتِ الاستراتيجيا الجيوسياسية. فهل أخذت موسكو كلَّ ما يلزم من عواملِ الحيطة تحسُّباً لتحقُّقِ هذا السيناريو؟ أَم أنَّ انشغالَها بتأمينِ ما تأتى لها أن تحقِّقَه من انتصاراتٍ على جبهةِ أوكرانيا قد جعلَها في غفلةٍ عن هذا الذي يُحاك لها؟

أضف تعليق