التاريخ حين تُشكِّله إرادةُ القوّة

يبدو لمن يتصفح كتب التاريخ، على اختلاف لغاتها وعصورها، أن ثمة انحيازاً خفياً يحكم طريقة رواية الماضي انحيازاً إلى القوة. فالتاريخ، كما كُتب في معظم الأحيان، لا يتتبع مسار الحق بقدر ما يتتبع مسار القوة والغلبة. فهو يسير حيث تسير الجيوش، ويقف حيث يقف السيف، ويصغي حيث يرتفع صوت المنتصر. ولعل هذا ما يجعل صفحات التاريخ تبدو، في كثير من الأحيان، وكأنها سجلٌّ متصل لأفعال القوة أكثر منها شهادةً على ميزان العدل.
فإذا انتقلتَ من كتب التاريخ الروماني إلى كتب التاريخ الصيني، أو من أخبار الفتوحات في الشرق إلى أخبار الإمبراطوريات في الغرب، وجدت أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو الاحتفاء بعصور الغزو وتفصيل أخبار المعارك وتعظيم أسماء أولئك الذين استطاعوا أن يفرضوا إرادتهم على غيرهم. فكأن التاريخ، في صورته الشائعة، لا يسأل عمّا إذا كانت القوة في خدمة الحق، بل يكتفي بتسجيل قدرتها على هزيمة العدو. غير أن هذا الميل لا يمكن تفسيره بمجرد انحياز المؤرخين أو تقاليد الكتابة التاريخية؛ إذ يبدو أنه يعكس شيئاً أعمق في النفس البشرية نفسها. فالإعجاب بالقوة، حتى حين تتجلى ظلماً وعدواناً، ظاهرة تكاد تكون عالمية. ولعل في ذلك ما يفسر لماذا ظلّت أسماء بناة الإمبراطوريات، على ما اقترن بها من بطش ودماء، محاطة بهالة من الإعجاب عبر القرون. فنحن لا نقرأ أخبارهم بوصفها مجرد وقائع من الماضي، بل نتعامل معها غالباً بشيء من الاعجاب والانبهار، وكأن القدرة على إخضاع الآخرين فضيلة في ذاتها، بصرف النظر عمّا إذا كانت قد قامت على العدل أو على العدوان.
وهنا يبرز السؤال الذي لا مفر من مواجهته: أليس في هذا الافتتان بالقوة خلل في ذائقتنا القيمية؟ كيف استقر في الوعي الإنساني أن يكون الطاغية، ما دام قادراً على فرض إرادته، جديراً بأن يُخلَّد اسمه في الذاكرة الجماعية؟ وكيف أصبح البطش، إذا اقترن بالنجاح، قابلاً لأن يُعاد تأويله في صورة بطولة تاريخية؟
إن التأمل في هذه الظاهرة يقود إلى نتيجة مقلقة مفادها أن التاريخ، في صورته التي وصلتنا، لم يكن في كثير من الأحيان سوى مرآةٍ لافتتان الإنسان بالقوة. ولذلك لم يكن غريباً أن يتنافس الطغاة، عبر العصور، لا على إقامة العدل بقدر ما يتنافسون على أن يكون لكل واحد منهم موضع في سجل القوة الذي تكتبه الأجيال. فطالما كان معيار الخلود التاريخي هو مقدار ما يستطيع الحاكم أن يفرضه من سلطان، فإن الطغيان لا يغدو انحرافاً عرضياً في مسار الحضارات، بل يصبح أحد محركاتها الخفية.
ومن هنا تبدو العلاقة بين التاريخ والطغيان علاقةً أعمق مما نتصور. فالتاريخ لا يتشكل بإرادة الطغاة وحدهم، بل يتشكل أيضاً باستعداد البشر للإعجاب بهم. وما دام هذا الاستعداد قائماً، فإن الحضارات ستظل معرّضة لإعادة إنتاج الدائرة نفسها، قوةٌ تستحوذ على الإعجاب، وإعجابٌ يفضي إلى التسويغ، وتسويغٌ يمهّد الطريق لدورات جديدة من الطغيان.
ولعل نظرةً واحدة إلى عالمنا المعاصر، مقرونةً بنظرة أخرى إلى صفحات الماضي، تكفيان لندرك أن الحضارات التي تجعل القوة معيار العظمة لا تختلف في مصيرها كثيراً عن مصير الإمبراطوريات التي سبقتها. فحين تصبح الغلبة بديلاً عن العدل، ويغدو الإعجاب بالقوة أقوى من النفور من الظلم، فإن بذور الانهيار تكون قد زُرعت في صميم الحضارة نفسها، وإن بدت، في ظاهر أمرها، في أوج قوتها.

أضف تعليق