الحربُ التي لا تراها موسكو

في الحروب الكبرى، لا تكون أخطر المعارك هي تلك التي تدوي فيها المدافع، بل تلك التي تجري في صمتٍ بعيداً عن الأنظار. فالمعركة التي يراها الجميع نادراً ما تكون هي المعركة الحاسمة. وغالباً ما تكون، في أحسن الأحوال، واجهةً صاخبةً تخفي وراءها صراعاً أعمق يجري في طبقاتٍ أخرى من الجغرافيا السياسية. ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يكاد يُطرح بما يكفي: هل تخوض موسكو اليوم حربها في المكان الخطأ؟ وهل يمكن أن تكون الحرب الحقيقية التي تُخاض ضدها هي حربٌ أخرى لا تقع في أوكرانيا أصلاً؟
لقد استحوذت “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا على القسم الأعظم من انتباه العالم، بل وعلى القسم الأعظم من انتباه موسكو نفسها. فهناك، على تلك الجبهة الممتدة عبر السهول الأوكرانية، تبدو المواجهة واضحة المعالم (القوات وأسلحة وحدود وخطوط تماس). غير أن وضوح المشهد لا يعني بالضرورة أنه المشهد الكامل. فالتاريخ الاستراتيجي يعلمنا أن القوى الكبرى لا تُهزم دائماً عبر مواجهة مباشرة، بل كثيراً ما تُهزم عبر عملية أبطأ وأشد خطورة في تجريدها من بيئتها الاستراتيجية، حليفاً بعد آخر. وهنا تبدأ الحرب التي قد لا تراها موسكو.
ففي الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على الجبهة الأوكرانية، شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة أحداث متباعدة جغرافياً، ولكنها قد لا تكون متباعدة استراتيجياً. فقد تقلّص الحضور الروسي في سوريا إلى حدٍّ بات معه أقرب إلى وجود رمزي منه إلى موقع نفوذ حقيقي. وفي أمريكا اللاتينية، شهدت فنزويلا تحولات سياسية غير مسبوقة في توقيتها وسياقها. أما على الجبهة الإيرانية، فتتوالى التطورات بطريقة تجعل مستقبل التوازنات هناك موضع سؤال مفتوح.
فكل واحد من هذه الأحداث يمكن تفسيره، إذا أُخذ منفرداً، بوصفه تطوراً محلياً خاصاً بسياقه. غير أن النظر إليها مجتمعة يطرح احتمالاً آخر أكثر خطورة يتمثل في احتمال أن تكون جزءاً من مسارٍ أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية المحيطة بروسيا.
فالاستراتيجية الكبرى لا تقوم دائماً على كسر الخصم في ساحة المواجهة المباشرة. فأحياناً يكون الطريق الأقصر إلى إضعاف قوةٍ عظمى هو إعادة رسم الخريطة التي تقف عليها تلك القوة. فالنفوذ الدولي لا يقوم على الجغرافيا الصلبة وحدها، بل يقوم أيضاً على شبكة من الارتباطات والتحالفات ومناطق النفوذ. وحين تبدأ هذه الشبكة بالتفكك، فإن القوة التي تعتمد عليها تجد نفسها، تدريجياً، معزولة داخل حدودها مهما بدت مكاسبها العسكرية في ساحة معينة كبيرة.
ومن هذا المنظور، فقد لا تكون الحرب الأوكرانية سوى المسرح الأكثر صخباً في صراعٍ أوسع بكثير. فالمسرح الصاخب يجذب الانتباه، بينما تجري التحولات الأعمق في المسارح الأقل ضجيجاً. وليس من المستبعد أن يكون الانشغال الطويل بجبهة واحدة هو بالضبط ما تحتاجه استراتيجية الخصم حتى تعيد ترتيب توازنات مناطق أخرى من العالم.
وإذا كان هذا السيناريو صحيحاً، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح لا يتعلق بمآلات الحرب في أوكرانيا وحدها، بل بمآلات المجال الاستراتيجي الذي تتحرك فيه روسيا كقوة دولية. فخسارة حليف استراتيجي واحد في منطقة حساسة قد يكون، في ميزان الجغرافيا-السياسية، أثقل أثراً من كسب آلاف الكيلومترات من الأرض في ساحة حرب تقليدية.
إن الحدود التي تسعى موسكو إلى إعادة رسمها في أوروبا الشرقية قد تبدو، من منظور عسكري مباشر، إنجازاً استراتيجياً. غير أن هذا الإنجاز يفقد كثيراً من قيمته إذا ترافق مع تحولات موازية تُفضي إلى تقليص حضور روسيا في مناطق أخرى أكثر حساسية في معادلة القوة العالمية.
فالقوى الكبرى لا تُقاس قوتها فقط بما تسيطر عليه من أراضٍ، بل بما تملكه من مجال نفوذ ممتد. وحين يبدأ هذا المجال بالانكماش، فإن القوة التي تبدو في حالة توسع قد تجد نفسها، من حيث لا تدري، في مسارٍ معاكس تماماً.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي قد لا يكون: ماذا ستكسب روسيا في أوكرانيا؟
بل: ماذا يمكن أن تخسر في أماكن أخرى بينما تنشغل بتلك الجبهة؟
فالحرب التي تُرى بوضوح ليست دائماً هي الحرب الحاسمة. وأخطر الحروب هي تلك التي لا تُدركها القوة المستهدفة إلا بعد أن تكون نتائجها قد أصبحت واقعاً لا يمكن تغييره. وربما كان هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلق موسكو اليوم: هل تخوض روسيا حربها الكبرى في أوكرانيا، أم أن الحرب الكبرى التي تُخاض ضدها تدور في مكانٍ آخر تماماً؟

أضف تعليق