
منذ أكثر من قرن، يحتدم في الفكر المعاصر جدلٌ يبدو وكأنه من أكثر الجدالات العلمية والفلسفية حسماً في تحديد موقع الإنسان في الكون؛ الجدل بين أنصار التطور الدارويني وأنصار المذهب الخَلقي. وقد اتخذ هذا الجدل في العقود الأخيرة شكلاً جديداً مع ظهور تيار “التصميم الذكي”، الذي يسعى إلى إعادة صياغة الاعتراضات اللاهوتية على الداروينية بلغةٍ علمية، أو بلغةٍ يُراد لها أن تبدو علمية.
غير أن هذا النزاع، على شدته واتساعه، يخفي مفارقة معرفية نادراً ما يجري التنبه لها. فالمعسكران المتواجهان، على الرغم من خصومتهما الظاهرة، يشتركان في افتراضٍ عميق واحد؛ فكلاهما يتعامل مع الإنسان بوصفه مشكلة بايولوجية ينبغي تفسيرها ضمن إطار السؤال البايولوجي. فالداروينية ترى أن الإنسان نتاج مسار تطوري طويل تحكمه الطفرات والانتخاب الطبيعي. أما الخَلقية فترى أن هذا التفسير غير كافٍ، لأن ظهور الإنسان يفترض تدخلاً قصديّاً يقف من وراءه “تصميم ذكي” Intelligent Design. غير أن كلا الطرفين، على اختلافهما، يلتقيان عند نقطة أساسية؛ فكلاهما يفترض أن السؤال الذي ينبغي طرحه هو كيف ظهر الإنسان بوصفه نوعاً حياً؟ وهنا تحديداً يكمن الخطأ المشترك.
فالخلقية، على الرغم من اعتراضها على الداروينية، لا تتجاوزها معرفياً، بل تظل أسيرة السؤال الذي صاغته. فهي لا تعترض على الإطار البايولوجي للسؤال، بل تكتفي بتغيير الفاعل التفسيري. فبدلاً من الانتخاب الطبيعي يصبح الفاعل هو الخالق أو المصمم.
وهكذا يجد الطرفان نفسيهما في جدلٍ طويل حول الآلية التي أنتجت الإنسان، دون أن يتوقفا بما يكفي عند سؤالٍ أكثر عمقاً: هل الظاهرة الإنسانية قابلة أصلاً للاختزال إلى مسألة بايولوجية؟ وهنا تحديداً تنفتح المقاربة الميتابايولوجية.
فالإنسان، وفق هذه المقاربة، لم يكن مجرد امتدادٍ متقدمٍ لمسار التطور الحيوي، بل كان نتاج انعطافة تطورية فريدة كسرت استمرارية هذا المسار نفسه. وهذه الانعطافة لم تتمثل في زيادةٍ تدريجية في القدرات البايولوجية، بل في تحولٍ بنيوي جعل الكائن البشري ينتقل من العيش داخل العالم إلى العيش داخل تمثّلاته عن العالم. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الإنسان كائناً يستجيب مباشرةً لوقائع البيئة كما تفعل سائر الكائنات الحية، بل صار يتصرف وفق الصور الذهنية التي يصنعها عنها. وهنا بدأ الخروج الحقيقي على منطق الطبيعة.
فالحيوان يتحرك ضمن حدود ما تقتضيه المنفعة التطورية؛ فهو لا يهاجم إلا حين تدفعه الحاجة، ولا يخاطر بحياته إلا إذا كان في ذلك احتمال واضح لتعزيز فرص البقاء أو التناسل. أما الإنسان، فقد أصبح بعد تلك الانعطافة قادراً على أن يتصرف ضد ما تمليه عليه هذه المنفعة نفسها. فهو قد يخوض الحروب من أجل فكرة، ويضحي بحياته من أجل رمز، ويبني أنظمة أخلاقية أو دينية تتطلب منه أن يكبح أكثر ميوله البايولوجية رسوخاً. إن هذه الظواهر لا تمثل مجرد تعقيد ثقافي إضافي فوق البنية البايولوجية للحياة، بل تشير إلى انقطاع بنيوي في مسار تلك الحياة نفسها.
وهنا يتبين أن النزاع بين الداروينية والخَلقية قد يكون، في جوهره، نزاعاً يجري داخل إطار معرفي ضيق. فالداروينية تفترض أن الإنسان استمرار للطبيعة. والخَلقية تفترض أن الإنسان استثناء داخل الطبيعة. أما المقاربة الميتابايولوجية فترى أن السؤال يجب أن يُطرح بطريقة مختلفة تماماً: كيف ظهر في قلب الطبيعة كائنٌ قادر على مخالفة المنطق التطوري الذي أنتجه؟ وهذا السؤال لا يبحث فقط في أصل الإنسان بوصفه نوعاً بايولوجياً، بل في الكيفية التي أصبح بها الإنسان كائناً قادراً على أن يتمرد على القوانين التي تحكم سائر الكائنات الحية. ومن هنا يتضح أن النزاع التقليدي بين الداروينية والخَلقية قد يكون، في جانبٍ منه، نزاعاً يجري حول سؤالٍ لا يلامس جوهر الظاهرة الإنسانية. فالسؤال الحقيقي هو ليس: هل الإنسان نتاج التطور أم نتاج الخلق؟ بل: كيف نشأ في الكون كائنٌ قادر على أن يخرج على القوانين التي أنتجته؟
عند هذه النقطة فقط يبدأ النقاش الحقيقي حول الظاهرة الإنسانية.
وعند هذه النقطة أيضاً تبدأ الميتابايولوجيا.
